الصفحة 33 من 203

لا لإنطوائه، ومن الأمور الجديرة بالانتباه هو تهديده الذاتي فهو يُهدّد ويتوعد بذاته لا بقبيلته، فحمل السواد عنده إشارة إلى الشجاعة والتمرّد، ذلك لأنه"يحمل أزمته الخاصة أكثر مما يحمل أزمة الآخرين، ولهذا نرى عنترة يحول بحسم"النحن"إلى"أنا"...". (1) إذن فعلامة الـ"أنا"عند عنترة تحمل إشارة واضحة على رغبته بتحصيل الصورة المضادّة و تحصيلها الإجرائي الذي يعمل على تغيير واقع الذل والظلم إلى الثورة والتمرّد، ويمكننا التوصّل إلى تلك الرغبة الموجودة في ذات الشاعر عن طريق فكّ الشفرات و الرموز ومن ثمّ نصل إلى القيمة الدلالية التي تكمن في باطن النص. فرسالة عنترة تلك تُمثّل علامة متعددة الدلالات، منها ما تشكله الصورة الفردية التي اعتادها عنترة في الفخر والتهديد من تأكيد سوء العلاقة بينه وبين قبيلته، محاولًا إثبات ذاته بعيدًا عن كل دعم من أيّ جهة وإن كانت القبيلة، كما جعل ذلك التهديد رسالة للعدو و محاولة منه للحدّ من وقوع الأزمة التي ستلحقها الحرب بالطرف المهزوم، فإختار لذلك إستعراض بطولاته السابقة وإستذكار ما ألحقه بالقبائل التي إختارت قتالهم من ويلات فإن لم يتراجعوا سيكون مصيرهم كسابقيهم، فيقول: (2)

سائلْ عُميرة حيثُ حلّتْ جمعها ... عند الحُروب بأيّ حيٍّ تُلحقُ

أبحيِّ قيسٍ، أم بعُذرة بعدما ... رُفع اللواءُ لها وبئس الملحقُ

واسألْ حُذيفة حين أرَّش بيننا ... حربًا ذوائبها بموتٍ تخفقُ

يفتخر عنترة بفرسان قبيلته الأشدّاء، كما تصادفنا"النحن"في البيت الأخير من النص لكنها لا تبلغ عمق الأنا التي إعتاد التحدّث بها بإحساس صادق وعمق التجربة المريرة.

(1) الشعراء السود وخصائصهم في الشعر العربي: 255. ... (2) الديوان: 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت