ذلك التهديد دلالة أخرى مناقضة للأولى وهي محاولة إستفزاز الخصم وإجباره على خوض المعركة، وهنا تجتمع لدينا دلالتان متناقضتان في آن واحد قد يكون ذهن الشاعر حاملًا إيّاهما معًا، فهو يرغب بإخماد الحرب وعدم إشعالها؛ لتجنّب نتائجها التي ستلحق بالطرف الخاسر، وفي الوقت نفسه يراوده شعور بالاعتزاز و الفخر في إظهار بطولاته والإشادة بفرسان قبيلته في ساحة المعركة، وهي ميدان المفاخرة عند الفرسان، ولعلّ أبرز ما يؤيّد صحّة ذلك الرأي محاولة قيس بن الخطيم في حقن الدماء لكنّه لم يجد بُدّا من خوض المعركة بعدما باءت محاولاته بالفشل، فما كان أمامه سوى التهيؤ للقتال، يقول: (1)
دعوت بني عوف لحقن دمائهم ... فلَما أبوا سامحتُ في الحرب حاطب
وكنتُ امرأً لا أبعثُ الحرب ظالمًا ... فلما أبوا أشعلتُها كلَ جانب
أربتُ بدفع الحرب حتى رأيتُها ... عن الدفع لاتزداد غير تقارب
فلَما رأيتُ الحرب حربًا تجرَدت ... لبستُ مع البردين ثوب المحارب
ويستغلّ عامر بن الطفيل تهديده في موضع آخر لسرد بطولات قومه بأُسلوب العائد الإشاري الذي يرجعنا من خلاله إلى الماضي ليعرض لنا أحداثًا ماضية تحمل دلالات مُعيَنة يحرص الشاعر على إيصالها إلى المتلقي، فيقول: (2)
ألسْنا نقودُ الخيل قُبًّا عوابسًا ... ونخْضبُ يوم الروع أسيافنا دما
ونحمي الذّمار حين يشْتجرُ القنا ... ونثني عن السَّرب الرعيل المسُوّما
(1) الديوان:80 ـ82. ... (2) الديوان:157 ـ 158، القبّ: الظوامر، ألحو: الصلب، الغشمشم: الظلم.