الصفحة 39 من 203

على أيّ أمرٍ آخر في الحياة، وذلك بدوره يوصلنا إلى الإشارة الثانية وهي مشكلة السواد وإستعباد قومه له في أيّام السلم وحاجتهم إليه في أيام المعارك و الحروب فلا ينطقون إلاّ باسمه حاميًا وناصرًا، وبالتأكيد هذا الأمر هو أحبّ الأشياء إلى نفسه التوّاقة للحريّة ورفض العبودية.

وقد يكون مسير الجيش إلى ساحة المعركة في ظلمة الليل الحالكة التي تكون ساترًا وحافظًا لهم ليصلوا بسلام إلى ديار الخصم مع خيوط الصبح الأولى علامة أخرى تحمل دلالة المباغتة وضمان النصر، فكانت الظلمة مؤشرًا على السريّة التامّة للجيش الغازي وحسن التخطيط، فينعموا بأكبرقدر من الغنائم، يقول عنترة: (1)

وصحابةٍ شمِّ الأُنوفِ بَعَثْتُهم ... ليلًا، وقد مالَ الكرى بِطلاها

وسَرَبتُ في وَعثِ الظلام أقُودها ... حتى رأيت ُ الشمسَ زالَ ضُحاها

فرجعتُ محمودًا برأس ِعظيمِها ... وتركتُها جَزَرًا لمَن ناواها

تضمّن النص السابق مجموعة من الإشارات، أوّلها إختيار وقت الظلام لمسيرة الجيش، والثانية، الغنيمة العظيمة الي أحرزتها غزوتهم المباغتة وهي رأس كبيرهم، أمّا الثالثة فكانت خفّة وسرعة قيادته لأُُولئك الفرسان الأبطال، كما سيطر الفخر الذاتي وبروز الأنا على تلك المقطوعة، لتكون فخرًا شخصيًا أكثر ممّا هي فخرًا قبليًا، حتى في ذكره للجماعة (فتية عبسية، آل عبس صحابة شمّ الأنوف، بعثتهم، أقودها) لايفارقه الفخر الذاتي بل نجد فيها تضخمًا للأنا بشكل واضح، فهو ينبئ عن نجاحه في ذلك الإختبار الحاسم الذي تخضع له ذاته.

وإتخذ جيش عامر بن الطفيل من الليل ساترًا له ليقطع طرقه نحو الخصوم، ليباغتهم بغارة في

(1) الديوان: 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت