ولا تُسقني كأس المُدام، فإنّها ... يضُلّ بها عقلُ الشجاع ويذهبُ
ولأهميّة إحتساء الخمرة لديهم كانوا يقسمون بعدم شربها مالم يأخذوا بثأرهم من الخصم، فهذا قيس بن الخطيم وجماعته يُحرّمون الخمرة على أ نفسهم حتى يأخذوا بثأرهم، إذ يقول: (1)
ومنّا الذي آلى ثلاثين ليلةً ... عن الخمر حتى زاركم بالكتائب
ولمّا هبطنا الحرث قال أميرُنا ... حرامٌ علينا الخمر ما لم نضارب
فسامحه منّا رجالٌ أعزّةٌ ... فما برحت حتى أُحلت لشارب
حملت علامة تحريم الخمرة عليهم، دلالة تحفيزهم وتشجيعهم لذواتهم على تحقيق مبتغاهم بأسرع وقت ممكن في سبيل العودة إلى الاستمتاع بها، إذ ليس للجاهلي غنى عن الخمرة.
ومن المثير للدهشة أننا لانجد للخمرة فيما بين أيدينا من مقطوعات شعرية لعامر بن الطفيل، لعلّه ضمن ما لم يصل إلينا من شعره، ولاسيّما إنّ هناك رواية معروفة تنبئنا عن مدى تقديسه للخمرة و ذلك عندما اجتمع قومه في أمرٍ عظيم ولم يحضر معهم فغضبوا عليه، فبررّ لهم سبب تخلّفه بقوله:"فوالله ما أنا عن عدوّكم بجبان ولا أنا فيما أنابكم بخاذل، ولا إلى أعراضكم بسريع، وما حبسني عنكم إلاّ خمرٌ قُدّم بها فسبأتها وجمعتُ لها شباب الحي، فخشيتُ أن أدعهُم فيتفرّقوا حتى أنفذتُها" (2) ، فعذروه؛ لأنه أقدم على فعلٍ كريم ـ بحسب ما يرون ـ يستحقّ تخلّفه عنهم وهو إغداق الخمر على شباب الحي. كما لم يكن للخمرة حضورًا في شعر الصعاليك عامّة وشعر عروة بن الورد خاصة، لأنّها تحمل بين طيّاتها دلالة الإسراف والبذخ، وهو أمر لايتناسب مع وضعهم
(1) الديوان: 91 ـ 95. ... (2) الديوان: 61.