المادي المعدم، وربّما تحمل بُعدًا آخر في كونها تؤثر في عقولهم ونشاطهم الأمر الذي لايتناسب مع حالة الأهبة والإستعداد المطلوبين من الصعلوك في كلّ وقت عادة. وقد وردت في ديوان عروة مرّة واحدة، وقد نعتها بالنسئ، لأنها أنسته حبّه لزوجته فتخلّى عنها لقومها بعد أن سقوه إيّاها، فيقول: (1)
سقوني النسئ، ثمَ تكنّفوني ... عُداة الله من كذبٍ وزورِ
ففي البيت السابق أدّت به الخمرة إلى النسيان والخسران. كما تحمل علامة الخمرة دلالة أخرى مناقضة، فهي تعمل على شحذ القوّة وبعث الجراءة وهي الأكثر ذكرًا في الشعر الجاهلي عامّة وفي شعر الفرسان خاصة، وقد عُرف الفُرْس بأنّهم كانوا"يحتسون الخمرة قبل أن يخوضوا المواقع. ثم أنّها تولّد خيالات سارّة تبعث في القلب جراءة". (2) فللخمرة آثار نفسية وجسدية تساعدهم في تقمّص أجواء المعركة، والشعور بالزهو، فكانت هناك عقيدة يؤمنون بها وهي أن الخمرة"أمّا شراب الآلهة، وأمّا دم الإله الذي صُرع يشربه عابدوه لتحلّ فيهم روحه وقواه في احتفالات يمثّل فيها مصرعه وقيامه بين الأموات"، (3) لذلك نلاحظ تشبيهات الخمرة في الشعر الجاهلي تدور حول دم القتلى ودم الغزال ولا يخفى ما للغزال من قُدسية لدى القدماء (4) ، وكثيرًا مانجد إرتباطًا في
(1) الديوان: 39. ... (2) الحياة العربية من الشعر الجاهلي: 435. ... (3) الصورة في الشعر العربي حتى أواخر القرن الثاني الهجري دراسة في أُصولها وتطوره، د. علي البطل، دار الأندلس، ط2،1401هـ ـ 1981م:203. ... (4) يُنظر: اللون في الشعر العربي قبل الإسلام، قراءة ميثولوجية، د. إبراهيم محمد علي، طرابلس ـ لبنان، ط1، 2001م:73.