الفارس في الحرب، فالكرُّ إقدامٌ بجراءةٍ وثبات، والفرُّ إنهزام بحيلةٍ ودهاء، ولكن الإنزياح المتأتي عنهما بوصفهما علامتين دالتين تُحيلنا إلى أن المستوى الموضوعاتي لعلامة، الكرُّ ينزاح دلاليًًا عند لشعراء الفرسان من الصولة المتقطّعة زمنيًا إلى صولة دائمة زمانيًا تصلح لكلِّ ظرف وحدث، في حين نجد أنّ الفرَّ بوصفه علامة دلالية عند الشعراء الفرسان يتشظى إلى بُعدين، يتمثَّل بعده الأول عند عروة وعنترة وقيس إذ أظهرت تداوليّتها السيميائية أنّها علامة ذات بُعدٍ واحد تُحيل إلى الإنهزام، في حين نجدها عند عامر بن الطفيل تتجه إلى دلالة مخالفة للهروب ومضادّة للإنهزام إذ صيّرها جزءًا من الإنتصار وأُسلوبًا حربيًا يُمارسه الفرسان.
إنّ الصفة الملازمة للفارس هي الكرُّ، بوصفها تُمثّل علامة من علامات الجرأة والشجاعة ورفض الهزيمة"فالتوتر النفسي يُحفزّه على القيام بالفعل الفروسي ويصل إلى هدفه المنشود وهو تحقيق النصر والظفر في ساحة القتال". (1)
يصوّر عروة بن الورد حالة الثبات التي يكون عليها في ساحة المعركة عند ملاقاته الأعداء رافضًا فكرة الفرار تمامًا، بل يرى أنّ حكم الفارّ من المعركة حكم من لم يشترك بها أساسًا، و يستمرُّهو في كرّه وثباته من دون تراجع وإن أحجمت الخيل عن خوض المعركة، كما يرفض مساواته مع الآخرين الذين لا يملكون القوّة والجراءة على القتال وخوض الحروب، فيقول: (2)
أتجعل إقدامي إذا الخْيلُ أحجمتْ ... وكرّي، إذا لم يمنع الدُّبرُ مانعُ
سواءً ومن لا يُقْدم المُهر في الوغى ... ومنْ دبْرُه ُ عنْد الهزاهز ضائعُ
(1) البواعث النفسية في شعر فرسان عصر ما قبل الإسلام (رسالة ماجستير) جامعة بغداد ـ كلية الآداب، ليلى نعيم الخفاجي:132. ... (2) الديوان: 65 ـ 66.