إذا قيل: يابْن الورد أقدم إلى الوغى ... أجبتُ فلاقاني كميٌّ مُقارعُ
ولا بصري عند الهياج بطامحٍ ... كأنّي بعيرٌ فارق الشَّول نازعُ
يمتلك عروة بن الورد القدرة على ضبط نفسه في المعارك فلا تهزّه أهوالها، وإن بلغتْ ذروتها، فهو ثابت لا يزيغ بصره هنا وهناك محاولًا البحث عن مهربٍ ما من المواجهة. وهو بذلك يخالف الصعاليك الذين لايجدون حرجًا من الفرار، بل على العكس يفتخرون بسرعتهم في العدو عند الهرب التي لا تضاهيها حتى سرعة الخيول (1) ، أمّا عروة فقد اختط لنفسه فلسفة خاصة تقوم على المواجهة، وعدم التخاذل، فمواجهة الموت خير من الفرار والهزيمة.
ويحاول عنترة في جعل الكرّ وسيلة أُخرى للفخر، وهو السبّاق بين قومه الذين راحوا يحثَُون بعضهم بعضًا على الهجوم، فتبرز لنا الـ"أنا"كما اعتدنا في شعره علامة لإثبات الذات والرغبة في إشباع تلك الرغبة، ولكنها بدت متضخمة هنا عند ذكر اسمه على لسان أبناء قبيلته، إذ يقول: (2)
لمّا رأيتُ القومَ أقبلَ جمعُهُم ... يتذامرون، كررتُ غير مُذمَّمِ
يَدْعونَ عنترَ والرماحُ كأنّها ... أشْطانُ بئرٍ في لَبانِ الأدْهَمِ
وفي موضعٍ آخر نجده يمدح الكرَ ويذم الفرار، فيقول: (3)
إن يُلْحَقوا أكررْ وإن يُسْتَلحَموا ... أشدُدْ، وأن يُلْفَوا بضَنْكٍ أنْزلِ
(1) يُنظر: الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، يوسف خليف: 211. ... (2) الديوان: 67. ... (3) المصدر نفسه: 77.