و قدْ عَلِمَ المزنوقُ أنّي أكُرُّهُ ... عَشِيةَ فَيْفَ الرِّيحِ كرَّ المُشَهَّرِ
إذا إزوَرَّ من وَقْعِ الرِّماحِ زَجَرْتُهُ ... وقلتُ لَهُ إرجعْ مُقْبلًا غيرَ مُدْبِرِ
و أنْبأتُه أنَّ الفِرارَ خَزَايةً ... على المَرْءِ ما لمْ يُبْلِ عُذرًا فيُعْذَرِ
إنّ علامة الفرار تكون ذات دلالة مقبولة لدى عامر بن الطفيل إذا ماكان هناك عذرٌ يسوّغها لدى الآخرين، فلا تصبح حينئذٍ عيبًا وجبنًا، بل وسيلة مناسبة ينتهزها الفارس للنجاة من الأسر، فأصبحت دلالة الفرار مختلفة هنا فهي ليست حالة من الجبن وعدم القدرة على المواجهة، بل أصبحت وقاية يتخذها الفارس والاستعداد لمواجهة أُخرى وأخذ الثأر، ولعلّ الفرار أهون على عامر من الوقوع في الأسر الذي يكون أشدّ من القتل، لكون القتل يحمل دلالة الشجاعة في حين أنّ الأسر لا يلحق بصاحبه سوى الذلّ، يقول عامر: (2)
قالتْ سَلامَةُ لمْ يَكُنْ لَكَ عادةً ... أنْ تَتْرك َ الأعْداءَ حتى تُعذرا
لو كان قتلٌ ياسَلامُ ... فَرَاحَةٌ ... لكن فَرَرْتُ مخافةً أن أُوسَرا
ويبرّر في موضع آخر فراره وفرسان قبيلته بكثرة عدد أعدائهم وعدَتهم، فيقول: (3)
أعاذِلُ لو كَانَ البِدَادُ لقُوتِلوا ... ولكن أتانا كلُّ جِنٍّ و خابلِ
(1) الديوان: 107. ... (2) المصدر نفسه:201. ... (3) المصدر نفسه: 223.
و خَثْعَمُ حيٌ يُعدَلُون بمَذحِجٍ ... وهل نحنُ إلاّ مِثْلَ إحدى القبائلِ
لا يجد الشاعر حرجًا في الفرار مادام مصحوبًا بمسوّغات مُقنعة ومقبولة، لذلك حرص على أن"يقدّم تبريرًا مناسبًا لفراره الذي عدّه إتّقاءً وليس فرارًا يُعاب عليه". (1)