الصفحة 51 من 203

قبيلته بوصفه سيّدهم، ولعلّ تلك الأسباب هي التي جعلته ينفرد بهذه الدلالات من بين الشعراء الفرسان ـ ميدان البحث ـ الذين لم يسوّغوا فكرة الفرار في مسيرتهم البطولية، قد يرجع ذلك إلى الهدف الرئيس من الفروسية وهو تحقيق الذات أو تحقيق فلسفة شخصية إذ أنّها تُمثّل مسألة شخصية لديهم وأيّ تقصير تجاهها يُعدّ تقصيرًا في الذات ومساسًا بها، ولذا لم تحمل أيقونة الفرار ـ في ما يرون ـ سوى معاني الجبن والتخاذل، من هنا حرصوا على إلصاقه بخصومهم.

ويؤدّي الواقع الإجتماعي الذي يعيشه الشعراء دورًا كبيرًا في تحديد هذه المقاربة التي لابدّ من إتصالها ـ كما تبيّن ـ بواقع الفرسان الأجتماعي فذلك يساعدنا إلى حدٍّ ما في تمكيننا من"تفسير شفرات الخطاب من خلال شفرات الواقع". (1)

ـ إنصاف الخصم:

كثيرًا ما يُصادفنا هذا النمط الشعري في شعر الفرسان، حتى أصبح بإمكاننا أن نعدّه من تقاليدهم المألوفة وقد اعتادوا ممارسته بعد انتهاء المعركة والبدء بسرد أحداث الواقعة الحربية، فيعمل الفارس على وصف خصمه بصفات جسدية وخُلُقية سامية، ليضعنا أمام علامة تحمل دلالات مُتعددة تفسح لنا مجالًا للتأويل والتحليل، إذ يعمل الشاعر من خلال هذه العلامة على جعلنا بإزاء ذاتين تحمل كُلَُ واحدة منهما تصوّرات خاصة، يلجأ إليها الفارس عادة لبلوغ

(1) شفرات الجسد جدلية الحضور والغياب في المسرح، د. عوّاد علي، عمّان ـ الأردن، ط1، 1996م: 81.

هدف مُحدّد، أو فكرة محددة يترك فيها للمتلقي مهمة بلوغها عن طريق ما تتوافر لديه من علامات وإشارات، ولا يتردّد الفارس بإلقاء صفاته على خصمه فتترشّح لنا علامة تحمل دلالة الفخر غير المباشر وبذلك يصبح الخصم مرآة لصورة مُنعكسة عن ذات الشاعر الفارس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت