مُتخذا ًمن ذلك وسيلة لإظهار شجاعته وتمكنه من فنون القتال وإلاّ لما تمكّن من القضاء على خصمه الفارس المدجّج المتمرّس في فنون القتال وأساليبها، محاولًا بذلك كسب احترام الآخرين وتقديرهم وتبوّئ مرتبة عُليا بين أفراد القبيلة وهو ما يتحقّق بالانتصار على أفاضل القوم لا أراذلهم، وقد اشتهر العرب بهذا الإسلوب الشعري حتى أطلقوا على مجموعة قصائده تسمية (المُنْصِفات) . فعندما نأتي إلى عنترة نجده يرسم صورة مُمَيّزة لخصمه بقوّة جسده، وكمال عدّته الحربية، فهو فارسٌ مُسلّح ومع ذلك لم يتهيّب و لم يتردّد عن مواجهته، بل أرداه قتيلًا في ساحة المعركة، يقول عنترة: (1)
ومُدَجَّجٌ كَرِه الكُماةُ نِزالَه ... لا مُمعِنٌ هَرَبًا و لا مُسْتَسْلِمِ
جادَتْ يداي لهُ بعاجِلِ طَعْنَةٍ ... بِمُثَقَّفٍ، صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَوَّمِ
فَشَكَكْت ُ بالرِمْحِ الأصمِّ َ ثِيابَهُ ... ليس الكريم على القنا بِمُحرَّمِ
لم يبخس عنترة خصمه حقّه فخلع عليه ما يستحقّه من صفة الفروسية والشجاعة والكرم ولعلّه قصد من ذلك إشارة غير مباشرة لذاته التي طالما إفتخر بها وبخصالها الحميدة التي تكون مقياسًا له لا السواد والبياض، كما تجعلنا هذه الأوصاف أمام مسألة أُخرى، وهي المبالغة في بيان شجاعته ومعرفته بفنون القتال التي هيأت له فرصة التفوق على خصمه.
وقد تحمل المُنْصِفات دلالة إعجاب الشاعر الفارس بقوّة خصمه على وجه الحقيقة، ولاسيّما
(1) الديوان: 63.
أنّ الشاعر الجاهلي عُرف بالصدق والواقعية في التعبير. (1) فالأبطال لايُنازلون إلاّ الأبطال"ومن الطبيعي والمألوف في أشعار الحرب العربية أن تكمُن قيمة أي إنتصار للفارس في قوّة"