فكان لتقريب الخيل وإكرامها دلالة واضحة على ما يمتلكه من صفات العزّة والإكرام، فهو يُكرمها في السلم؛ لتعزّهُ في الحرب ردًّا لجميلهِ، وبلغت منزلة الفرس عند عنترة أنه كان يُهدَد زوجه بالهجر والضرب إذا ما استمرّت بلومه على عنايته بفرسه المُبالغ فيه لدرجة أنّه كان يسقيها من حليب إبله ليزيدها قوَة، يقول: (1)
لا تَذْكُري مُهري وما أطعمتُهُ ... فيكون جلْدُك مثلَ جِلْدِ الأجربِ
إنَّ الغَبوق له وأنتِ مَسُوءةٌ ... فَتَأَوّهي ماشِئتِ ثُمّ تَحَوّبي
كما تحمل هذه الأبيات دلالة مُزدوجة، إذ يأتي الشاعر بفعلين يُناقض أحدهما الآخر، فيُظهر الجانب الإنساني تجاه الفرس، و بالمُقابل يُهدّد زوجته بتلك القسوة واللامُبالاة، فحمل مشاعر الشفقة والرحمة و القوّة والشراسة، ولعلّ ذلك يرمز إلى صراع نفسي داخلي فرضته طبيعة العصر الجاهلي. كما حرص العرب على إبعاد خيولهم عن التهجين، وكانت الخيل العربية الأصيلة باعثًا على الفخر، يقول عنترة: (2)
وفرّقتُ جيشًا كأنّ في جَنباتِه ... دَمادِمُ رَعْدٍ تَحْتَ بَرْقِ الصَوَارِمِ
على مُهرةٍ منسوبةٍ عربيةٍ ... تَطيرُ إذا اشتدَّ الوغى بالقوائِمِ
ولا يَتَرّدد الفارس بتشبيه نفسه بفرسه الكريم الأصل فلا فرق بين الفارس وفرسه، يقول عروة بن الورد: (3)
(1) الديوان: 164. ... (2) المصدر نفسه: 128. ... (3) الديوان: 67.