الصفحة 87 من 203

نفسه". (1) وأصبح لكثرة ملازمته لفرسه يبيت على ظهرها مُتخذًا من سرجها فراشًا له، يقول: (2) "

تُمْسِي وتُصْبح فَوقَ ظَهْر حَشِيّةٍ ... وأبيتُ فوقَ سَراةِ أدهمَ مُلْجِمِ

وَحَشِيتي سَرْجٌ على عَبْلِ الشَّوى ... نِهْدٍ مراكِلُهُ، نبيلِ المَحْزَمِ

فراشه ظهر فرسه الصلب الخشن في حين يكون فراش عبلة ناعمًا من الحرير، لعله أراد الربط بين الحالين المتناقضين للوصول إلى دلالة مُعيّنة، فتمتع عبلة بالراحة والأمان مرهون بإقامته على ظهر الفرس، وهو رمز الفروسية، أي حماية الديار والنساء، فإختار الإشارة إلى الفروسية بعنصر من عناصرها وحالة من أحوالها كناية عن كثرة ملازمته الخيل والسيف وخوض المعارك. وفي موضع آخر يفتخر بسرعة فرسه في الجري التي تُضاهي بها الريح فضلًا عن نباهتها وقدرتها على فهم الإشارات من دون الحاجة إلى السوط والزجر، يقول: (3)

ولي فرسٌ يحكي الرياح إذا جرى ... لأبعد شأوٍ من بعيد مرام

يجيب إشارات الضمير حساسة ... ويغنيك عن سوطٍ له و لجام

أراد هنا الإفتخار بأصالة فرسه وكرامته، فالفرس"الأصيلة الكريمة يطمئن فارسُها إليها، فيترك لها عنانها لتكون حُرَة الفعل". (4) كما تحمل تلك الإشارة دلالة رفض الذل والعبودية حتى للحيوان، فالحر لايحتاج إلى قيود وسياط، وفرسه حرّة، وهذه الدلالة ليست بعيدة عن معاناته

(1) جدلية القيم في الشعر الجاهلي: 92. ... (2) الديوان: 58. ... (3) الديوان: 171. ... (4) الخطاب الإبداعي الجاهلي والصورة الفنية: 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت