[أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله عز وجل] ، فالمطلوب في حق المتهمين بالتجسس هو معرفة السبيل الشرعي التي يقال لهم بعدها: إن ظاهركم قد كان علينا.
ولقد بقيت مدة طويلة وأنا أتأمل في هذه المسألة وأشاور فيها مَن أمكنني من المشايخ الذين هم في ساحات الجهاد وغيرهم بحسب الوسع والطاقة، وكان هناك إشكالٌ حقيقي، وتعسّرٌ عملي بين ما قرره بعض العلماء -من اشتراط البينة بالشاهدين أو الإقرار لإثبات التهمة- وبين الواقع الذي نعيشه يومًا بيوم بل لحظة بلحظة، فمن المقطوع به واقعًا أن الأخذ التام والتقيد الدائم بمسألة الاشتراط المذكور يعني -يقينًا- استحالة إثبات تهمة التجسس على أحدٍ مهما كانت قوة القرائن والشواهد التي تحف به وتدل عليه وتقطع بتورطه، وهذا بالضرورة يعني أن ينعم الجواسيس بالأمان ويتنقلوا بين صفوف المجاهدين ومراكزهم وبيوتهم ومعسكراتهم في غاية الاطمئنان لاستحالة إثبات التهمة عليهم بالشاهدين أو الإقرار.
وكما قلت سابقًا فإن الأمر اليوم -وفي هذه المعارك- لم يعد مقتصرًا على حالات عينية أو منحصرًا في عدد محدود من الأفراد بحيث يُتحمَل ضررهم ويُغضُّ عن جرائمهم لاقتصار تأثيرها على نطاق ضيق وصور عابرة، بل الأمر خلاف ذلك تمامًا، فقد أصبحت مسألة التجسس وبث الجواسيس والاعتماد عليهم ظاهرة شائعة، وأسلوبًا فاشيًا، وركنًا ركينًا في كل عملية تقوم بها قوات الكفرة، ولا تكاد تقلع طائرة، أو ينطلق صاروخ، أو تتحرك قافلة،، أو يداهم مركز، أو يصدر أمر، إلا بالاستناد المباشر على معلومات (الجواسيس) الذين اكتظت بهم ساحات الجهاد من أقصاها إلى أقصاها.
فصرنا بحكم هذا الواقع بين أمرين:
الأول: هو الاقتصار على الشاهدين أو الإقرار طوعًا في إثبات تهمة التجسس على أي فرد مهما كانت قرائن الحال وملابساته تقطع بتورطه، وهذا يؤدي يقينًا إلى إطلاق أيدي العدو في استمرار تقتيل المجاهدين، واعتقالهم، ودك مراكزهم، بسبب العجز التام عن إثبات التهمة على أي فردٍ من الأفراد بهذه الطريقة.
الثاني: القطع بأن هناك طرقًا (شرعية) أخرى تثبت بها جريمة التجسس على كل مَن تلبس بها، بحيث تكون حاسمة في كف عاديتهم، ومناسبة لضخامة المعركة التي يخوضها المجاهدون ضدهم، من غير أن يقع ظلم أو حيف على أحد.