قد بينا أول البحث أن نقل أخبار المسلمين إلى الكفار لينتفعوا بها في حربهم للمسلمين هي مظاهرة ظاهرة وردة سافرة لمن يقترفها، إذ إن حقيقة المظاهرة التي هي الإعانة والممالأة موجودة في مثل هذه الصورة، وكون صاحبها يؤديها خفية وسرًا لا يخرجها عن حقيقتها بل يتأكد في حقه خبث الطوية، وإضمار الشر، والتحيل لإيصاله، وانحسار دائرة الإعذار في حقه، وعليه فالذي يظهر لنظري القاصر أن يحمل كلام الأئمة على غير هذه الحالة التي تكون فيها إعانة الكفار على المسلمين واضحة جلية، ومظاهرتهم محققة متيقنة، ومثل هذا يخرج أصلًا عن كونه (جاسوسًا مسلمًا) ليلحق بزمرة المرتدين، وقد نقلت من قبلُ كلام الإمام ابن حزم فيمن أقام بين الكفار وأعانهم بكتابة أو خدمة ونحوها، وما يفعله الجواسيس أثناء إقامتهم بين المسلمين وتتبعهم لأخبارهم هو أخطر بكثير مما يفعله أولئك بخدمتهم وكتابتهم، والحقيقة أنه لا يمكن التغاضي عن الواقع المشاهد من الحرب الصريحة من هؤلاء الجواسيس على الإسلام والمسلمين ونتعلق بعبارات مشتبهة وكلمات محتملة، خاصة بعد أن رأينا (الحصد) الذي تقوم به أسلحة الكفرة من طائرات وصورايخ وغيرها بالاعتماد المباشر على المعلومات الدقيقة والخفية التي يقدمها لهم (أعينهم) والتي أدت وتؤدي كل يوم إلى قتل الأخيار وتمزيق أجسادهم، أو اعتقالهم، وتدمير البيوت، وتحريق القرى، فكيف يكون مسلمًا مَن يشارك في ذلك مشاركة مباشرة، بل إن معلوماته التي تقود الكفرة إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم تعد هي الأصل الأصيل التي عليه المدار في هذه الحرب الضروس.
وأي دليل من شرعٍ أو عقل يفرق بين (مدع للإسلام) يستقل طائرته أو دبابته أو ينصب مدفعه ليدك به قرى المسلمين ومساكنهم ويصطاد قادتهم وجنودهم وبين (مدع للإسلام آخر) يقطع أطول المسافات، ويرتكب أشد المخاطر، ويتحمل أقصى المتاعب، ويتجاوز أقسى المصاعب، ويغامر بنفسه ليبحث عن تلك الأهداف التي يطلبها الكفرة لتكون لهم غرضًا سهلًا وصيدًا ميسرًا فيحصل بسببه من النكاية في المسلمين، وتوهين الدين، والفتِّ في عضد المجاهدين ما لا يعلمه إلا الله وحده؟!.
إننا بفضل الله تعالى قد بينا سابقًا أن العلماء قد اختلفوا في تكفير الجاسوس المنتسب للإسلام كما اختلفوا في قتله، وبناء على ذلك الاختلاف في الأمرين فالذي يظهر لي في هذه المسألة بعد النظر والتأمل -والله تعالى أعلم- أنه يمكن تقسيم الجواسيس المنتسبين للإسلام إلى قسمين: