كما ذكرت أعلاه فإن الجاسوس الذي نقصده في هذا البحث هو الذي يطلع على عورات المسلمين ويبلغها إلى أعدائهم، إلا أن الكلام في هذا الموطن ليس خاصًا بهذا النوع من الجواسيس، بل بيان الحكم مطلقًا.
فلقد جاء النهي الأكيد والوعيد الشديد لمن يتجسس على المسلمين ويتتبع عوراتهم، لما في ذلك من الأذية العظيمة لهم سواء في أمر دينهم أو دنياهم، ولما فيه من هتك أستارهم، والخلوص إلى أسرارهم، وفتح الباب لتطاول أشرارهم وفجارهم.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12] .
فالآية تنهى نهيًا صريحًا عن تجسس المسلمين بعضهم على بعض، وسواء كان هذا التجسس بالتسمع لمعرفة الأخبار، أم بالنظر للاطلاع على ما وراء الأستار، فكل ذلك محرمٌ يجب اجتنابه والتنزه عنه، وهو من أعظم ما يوغر القلوب بالأحقاد، ويشحن الصدور بالبغضاء، ويفرق الجماعات، ويفسد المجتمعات، ويذهب الثقة والطمئنينة، ويبث الظنون الكاذبة، ويُشيع التهم الباطلة، ويُطلق الألسن بالقيل والقال، والطعن والثلب، والتنقيص والإفك، حتى لا تبقى لمسلم حرمة، ولا لبيت صيانة، ولا لمجتمع حمى، بل تتسلط الأعين الخائنة والألسن الحداد على الجميع وهي تبدد أواصرهم، وتمزق أوصالهم، وتفرق جماعتهم، وتفسد ذات بينهم، فيتقطع جسد المسلمين الواحد إربًا إربًا فلا تبقى لهم ألفة ولا أخوة ولا رابطة فيكونون بعدها لقمة سائغة لأعدائهم من شياطين الإنس والجن ولهذا كان من أكبر مهام الشيطان التحريش بين المسلمين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم] رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه.
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [لا يدخل الجنة قتات] ر واه البخاري، ومسلم، وغيرهما، قال الإمام ابن الأثير رحمه الله: في معنى القتات: [هو النمام، يقال: قت الحديث يقته إذا زوره وهيأه وسواه، وقيل: النمام: الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم، والقتات: الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم] (النهاية في غريب الأثر: 4/ 18) .