وهنا مسألة يكثر ذكرها والدندنة حولها، واستشكال أو اعتراض يثار غالبًا عند الحديث عن ما يسمى بالجاسوس المسلم، وهو ما حصل من حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حينما كاتب كفار قريش وأخبرهم بعزم النبي صلى الله عليه وسلم على غزوهم، ومع كل ما فعله حاطب رضي الله عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم عليه بالردة والكفر، فإذا كان التجسس داخلًا في مظاهرة الكفار على المسلمين والتي هي ناقض من نواقض الإسلام كما قررناه قريبًا فما بال حاطب رضي الله تعالى عنه لم يؤاخذ على تلك المظاهرة، مع أن جل الفقهاء تقريبًا يعتمدون على حديث حاطب رضي الله عنه في بيان حكم الجاسوس المسلم من حيث جواز قتله أو وجوبه أو تحريمه كما سيأتي إن شاء الله، فصنيعهم هذا يدل على اعتبارهم فعلة حاطب رضي الله عنه داخلة في معنى"التجسس"، إذًا أليس عد التجسس نوعًا من أنواع المظاهرة المكفرة مناقضًا ومعارضًا لما جاء في قصة حاطب رضي الله عنه؟!.
وحل هذا الإشكال والجواب عنه يكون في عدة مباحث نشرع فيها بتفاصيلها من غير ممهدات بحول الله وتوفيقه:
المبحث الأول: في ذكر قصة حاطب رضي الله تعالى عنه.
عن عبيد الله بن أبي رافع قال سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: [بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخرجنا تعادى بنا خيلنا فإذا نحن بظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا لها: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عِقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبر ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم، ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا، والله ما فعلته شكًا في ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد صدق، فقال عمر رضي الله عنه: يارسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ونزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) ] رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي،