وابتداء أقول: إن النظر في هذه المسألة إنما هو كنازلة حالّةٍ عمت وطمت، وداهية قائمة قرعت واحتنكت، فلو كان المسلمون يعيشون في دولة إسلامية ممكنة، لها سلطتها وسطوتها وقضاؤها وقوتها، وكانت صور التجسس حالات فرديةً متفرقةً ووقائع جزئية منحصرة لكان الأمر في غاية الوضوح واليسر، إذ النظر في كل حالة سيكون نظرًا قضائيًا يعتمد مباشرة على شهادة الشهود أو إقرار المتهم تمامًا كأي مسألة قضائية تعرِض في دولة الإسلام، ولعل هذا هو سبب عدم وجود كلام للعلماء في هذه المسألة يطابق حالنا الذي نحن فيه، لأنهم كانوا يبحثونها ويقررونها بناءً على واقع يحيونه ليس فيه خروج عن الجادة من وجود السلطان الممكّن والقضاء النافذ، والشوكة الملزمة، هذا مع ندرة هذه الحالات والوقائع أصلًا، ولأن هذا المرض لا ينشأ بصورة شائعة عامة إلا في بيئة مهيئة له، كذهاب الدين، وتفكك عرى الأمة، وتسلط الأعداء، كما هو حالنا في هذا العصر، فما نحن فيه اليوم هو أمرٌ أكبر من أن يعالج ببعض الجزئيات التي يذكرها الفقهاء -رحمهم الله- وهو يفوق ما تصوروه بأضعاف مضاعفة نوعًا وكمًَّا وانتشارًا.
ومع وجود بعض الأبحاث العصرية التي تحدثت عن حكم الجاسوس إلا أني لم أجد من تطرق لهذه المسألة وبحثها بحثًا يناسب واقعها وحقيقتها كنازلة حلت بالمسلمين، مع أن العناية بها يجب أن لا تقل عن العناية بمعرفة حكم الجاسوس، خاصة بعد مداهمة قوات الصليب لبلاد المسلمين وتكوينها لجيوش خفية كبيرة من الجواسيس الذين تعدهم أهم ركائز حملتها وأعظم ممهد لكل عملياتها.
فمما لا شك فيه أن المجاهدين يخوضون حربًا شرسة مع جيوش جرارة من (الجنود) الأخفياء الذين قعدوا لأهل الإسلام كل مرصد، بحيث لم يعد الأمر مقتصرًا على حوادث عينية متفرقة ولا منحصرًا في أفراد معدودين كما هو الحال في الحروب الغابرة، بل إن ساحات الجهاد كلها وما يقع فيها من حوادث تشهد شهادة لا لبس فيها أن حربهم الحقيقية إنما هي مع أجهزة استخبارات تلك الدول، فهي (خطها الأول) الذي تعتمد عليه في الدفاع عنها وحماية سلطتها، وقوانينها، وسائر أنظمتها، ودوائرها، فهي التي تتعامل تعاملًا مباشرًا مع المجاهدين اعتقالًا، وتنكيلًا، وتحقيقًا، وإفسادًا، وتفريقًا.
ولذا فعلى المجاهدين أن يجعلوا مراكز استخبارات تلك الدول -العلنية والخفية- على رأس أهدافهم، وأن يقدموها على ثكنات الجيوش ومراكز الشُرط كلما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فهي