وبما أنه قد تقرر لدينا فيما سبق أن التجسس للكفار على المسلمين ليستعينوا بذلك في حربهم لهم يعني بالضرورة اتخاذهم أولياء وأنصارًا، وهو من مظاهرتهم ومناصرتهم ومعاضدتهم بقي أن تعرف أن حكم مظاهرتهم هو الكفر الأكبر المخرج من الملة.
والمظاهرة التي نقصدها هي: معاونتهم في أي أمرٍ من الأمور التي يكون فيها ضررٌ بالإسلام والمسلمين سواء كانت تلك المعاونة بالرأي، أو بالمال، أو بالسلاح، أو بالنفس، أو بالكتابة، أوبالتجسس أو غيرها، فلا بد -عند الحديث- عن المظاهرة المخرجة من الملة من الاعتناء بهذه القيود المهمة التي يتحدد بها المعنى بوضوح، لا سيما استحضار كون تلك المعاونة والمظاهرة إنما هي على الإسلام والمسلمين، كما قال الشيخ: [وأما مظاهرة الكفار على المسلمين، فالمقصود بها أن يكون أولئك أنصارًا وظهورًا وأعوانًا للكفار ضد المسلمين، فينضمون إليهم، ويذبون عنهم بالمال والسنان والبيان، فهذا كفر يناقض الإيمان] (نواقض الإيمان القولية والعملية: 2/ 144) .
ولا أقصد بذلك الحديث عن الدافع الذي يحرك المظاهر والمعين والمعاون وهل هو لأجل دينهم أو طلب شيء من أمور الدنيا، فقد أشرت إلى بطلان ذلك قريبًا وأنه لا فرق بين الأمرين، والشرع لم ينظر إلى تلك الدوافع القلبية المستترة التي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، وإنما المقصود أن تكون معاونتهم منصبة ومتجهة نحو الإضرار بالإسلام والمسلمين، فإعانة الكفار على الكفار ليست هي المظاهرة المكفرة التي يتحدث عنها العلماء، وهكذا إعانتهم لا على أحدٍ لا تكون مكفرة على كل حالٍ وإنما بحسب العمل المعين عليه، وعبارات العلماء المتعددة صريحة على اعتبار هذا القي والاعتناء به.
وهذه المسألة خصوصًا من المسائل التي استفاض البحث فيها - والحمد لله - في هذا العصر، خاصة بعد اندلاع الهجمة الصليبية العصرية لمسيس الحاجة إليها، ولتلبس كثير من المنتسبين إلى الإسلام بها، وهي من العلم الذي ينبغي أن يذاع ويشاع ويكرر ويؤكد، ولا يُمل من تقريره ونشره، لا سيما مع انتشار فتاوى المبطلين، وتلبيسهم على الناس أمر دينهم، وتهوين العظائم في أعينهم حتى جعلوا الدين أرق من ثوب سابري.
والأدلة على كفر المظاهر للكفار على المسلمين كثيرةٌ، وقد كتب فيها العلماء كتبًا مستقلة، ونقل غير واحد منهم الإجماع على هذا الحكم، وهو حكمٌ لم يزل المسلمون يتواطؤون عليه، ويقررونه خلفًا عن