فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 145

سلف، حتى نبغ من نبغ من الانهزاميين أو الإرجائيين العصريين فحاولوا نقض عراه، وتحايلوا على مداخلته، مسايرة لأهواء الطغاة، أو طمعًا في شيء من الفتات، أو جهلًا بدين الله الذي اهتدى إليه الهداة، واستلوا دقائق الشبهات من بين الأسطر والحروف، وأبرزوا المشتبهات وأجلبوا بها على الواضحات المحكمات، ومزجوا حقًا بباطل، وخلطوا الأهواء بالدعاوى، فاضطرب الناس وهاموا، حتى لم يعد كثير منهم يفرق بين الظلمات والنور، فزادوا الأمة محنة على محنتها، وحطموا أبوابًا متينة حصينة محكمة من أسس الدين وسهلوا على الناس تعديها، وأغروهم بتجاوزها وتخطيها، فاستبشر بذلك أهل الكفر والطغيان، واغتم أي غم أهل الحق والإيمان، فتسلط الكفرة بقواتهم، وحكَّموا في رقاب العباد عبَّادهم وأتباعهم، فدمرت البلاد، وسالت أنهر الدماء من عباد الله الموحدين، وانتهكت أعراض العفيفات الطاهرات، ومزق ودنس كتاب الله الذي لا يمسه إلا المطهرون، واكتظت السجون بالراكعين الساجدين العابدين، وتقطعت أوصالهم بسياط الجلادين أولياء الكافرين، وتحالف الكفر وتعاضد وتناصر بالجيوش، والسلاح، والمال، والمشورة (المؤتمرات) ، والسياسات، والمعاهدات، وفتح القواعد، وتسيير البوارج، وتسخير الأجواء، ومع ذلك كله لا يزال بعض مَن ينتسب إلى العلم يشكك في أن مظاهرة ومعاونة هذا"الحلف الشيطاني"كفر وردة باحثًا عن كل ملجأ أو مغارة أو مدخل لعله يظفر فيه بشبهة يطير بها لينشرها بين الأنام زاعمًا أنها الحق الذي ما بعده إلا الضلال ونعوذ بالله من الخذلان والخبال.

قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران/7]

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: [تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) ، وقرأ إلى (وما يذكر إلا أولو الألباب) ، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم] متفق عليه.

إذًا فاتباع مسلك المتشابهات ومحاولة الشغب بها على الآيات المحكمات هو منزع الذين في قلوبهم زيغٌ أي ميل عن الحق، وهم وإن زعموا -كما هو دأبهم- أنهم بذلك يحاولون درأ الفتنة أو تقليلها إلا أنهم بأفعالهم ومجادلاتهم وتهويشهم يبتغونها ويسوقون الناس إليها ويوقعونهم في شراكها، على طريقة أسلافهم كما قال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت