فأما عن الاحتمال الأول: وهو كون ما فعله حاطب رضي الله عنه، لا يرقى إلى مرتبة الكفر المخرج من الملة وإنما هو معصية من المعاصي التي تكفرها الحسنات، فقد ذهب إلى هذا بعض العلماء وهذه هي بعض أقوالهم في ذلك:
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله: [وكان حاطب لشهوده بدرًا، ولما كان عليه من الأمور المحمودة من ذوي الهيئة، ولم يكن الذي أتى مما يوجب حدًا، إنما يوجب عقوبة ليست بحد، فرفعها عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان معه من الهيئة ... ؛ لأن الهيئة إنما ترفع العقوبات التي ليست حدودًا، ولا ترفع العقوبات التي هي حدود] (مشكل الآثار: 9/ 485) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بعد أن ذكر قصة حاطب رضي الله عنه: [فدل ذلك على أن الحسنة العظيمة يغفر الله بها السيئة العظيمة] (الفتاوى الكبرى: 3/ 446) .
وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله - في الفوائد المستنبطة من رسالة حاطب: [وفيها: أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تُكفَّر بالحسنة الكبيرة الماحية كما وقع الجس من حاطب مكفرًا بشهوده بدرًا؛ فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة، وتضمنته من محبة الله لها، ورضاه بها، وفرحه بها، ومباهاته للملائكة بفاعلها، أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة وتضمنته من بغض الله لها، فغلب الأقوى على الأضعف فأزاله وأبطل مقتضاه] (زاد المعاد: 3/ 372) .
وقال العلامة ابن الوزير -رحمه الله-: [وكذلك لم يكفِّر حاطب بن أبي بلتعة مع خيانته لرسول الله صلى الله عليه وآله، وما نزل فيه أول سورة الممتحنة، وقوله تعالى فيه: (تلقون اليهم بالمودة) و (تسرون اليهم بالمودة) وقد قال تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ، ومع ذلك وصفه بالإيمان في أول السورة حيث قال: (يا أيها الذين آمنوا) ، وإنما قلنا إنه داخل فيمن خوطب بذلك لأن العموم نص في سببه بالإجماع، ولذلك أدخله الله مع المؤمنين وخاطبه بأجمل الخطاب حيث قال: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) وكذلك ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل عذره] (إيثار الحق على الخلق: 400) ، وكلامه ليس صريحا في أن ما فعله حاطب لم يكن كفرًا بالأصل بل يحتمل هذا ويحتمل المعنى الآخر لا سيما أنه قال في آخر كلامه (ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل عذره) ، فقد يفهم من قوله (قبل عذره) أي تأويله الذي تأوله في ارتكاب ما ارتكب فارتفع بهذا التأويل تبعة الكفر عنه، وإلا فقطعا ليس المقصود أن قبول النبي صلى الله عليه وسلم لعذره هو إقراره وتسويغه لهذا