توبة باستخفافه بما كان عليه، كالزنديق، وشاهد الزور، ولا يخير الإمام فيه من عقوبات المحارب إلا في القتل والصلب لأن القطع أو النفي لا يرفعان فساده في الأرض وعاديته على المسلمين عنهم، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول مالك: أرى فيه اجتهاد الإمام] (البيان والتحصيل: 2/ 537) .
وهو الذي ذهب إليه العلامة التسولي -رحمه الله- حيث قال: [أما عقوبة الجاسوس فتكون بالقتل، ولا تقبل له توبة] (أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر الجزائري115) .
فكأنهم نظروا إلى تحتم دفع ضرره وقطع دابر شره، وإلى عدم التيقن من حقيقة توتبته وصدق مناصحته وسلامة طويته؛ فحكموا بوجوب قتله لذلك.
وقد ذهب إلى هذا القول الإمام ابن وهب من المالكية، قال العلامة ابن عاشور وهو يعدد أقوال مذهب مالك في حكم الجاسوس: [وقال ابن وهب: رِدّة ويستتاب] (التحرير والتنوير: 3/ 78) .
وقال البدر العيني: [وقال ابن وهب من المالكية: يقتل إلا أن يتوب] (عمدة القاري: 14/ 256) .).
ومأخذُهُ واضحٌ وهو عدُّ التجسس موالاةً مكفرة (مظاهرة للكفار على المسلمين) ، وفي هذا ردٌّ على من حكى إجماع العلماء على عدم تكفير المسلم إذا جسَّ للكفار، لا سيما وأن عبد الله بن وهب من الأئمة الأثبات من أصحاب مالك الذين جمعوا بين الفقه والحديث والعبادة وكانت وفاته 197هـ، وقد رأينا أن كلام الإمام ابن القاسم -رحمه لله- محتملٌ للحكم على الجاسوس بأشد أنواع الكفر وهو الزندقة.
القول الرابع: أن أمره راجع إلى اجتهاد الإمام فيعاقبه بما يراه مناسبًا من قتلٍ فما دونه، وهو قول الإمام مالك رحمه الله، ومثله قول الإمام ابن عقيل الحنبلي -رحمه الله- حيث يرى جواز قتل الجاسوس المسلم.
قال العلامة أبو القاسم العبدري المالكي -رحمه الله-:[سئل مالك عن الجاسوس من المسلمين يؤخذ وقد كاتب الروم وأخبرهم خبر المسلمين فقال: ما سمعت فيه بشيء وأرى فيه اجتهاد الإمام.
اللخمي: قول مالك هذا أحسن] (التاج والإكليل: 3/ 357) .
وهذا يعني أن عقوبته تعزيرية، وقد تصل إلى القتل -كما هو مذهب مالك -وذلك بحسب عظم جنايته وشدة ضرره، فقتله جائزٌ وليس بواجبٍ.