قال العلامة ابن فرحون المالكي -رحمه الله-: [مسألة: وإذا قلنا: إنه يجوز للحاكم أن يجاوز الحدود في التعزير، فهل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل أو لا؟ فيه خلاف، وعندنا يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا كان يتجسس للعدو وإليه ذهب بعض الحنابلة] (تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: 5/ 279) .
وقد أشار بعض علماء المالكية إلى أن المقصود باجتهاد الإمام في كلام الإمام مالك هو نظير تخييره في عقوبة المحارب، فقال القرافي: [قال مالك: يجتهد الإمام فيه كالمحارب] (الذخيرة: 3/ 400) . وهذا يوضح أن اجتهاد الإمام هو في التخيير بين العقوبات المناسبة -بما فيها القتل- وليس معناه إنزال عين عقوبة المحارب عليه، فالتشبيه-والله أعلم- في أصل التخيير لا في نوع العقوبة، والمعروف من مذهب مالك أن (أو) في آية الحرابة إنما هي للتخيير كما قال مالك -رحمه الله- [المحارب الذي يقطع السبيل وينفر بالناس في كل مكان، ويظهر الفساد في الأرض -وإن لم يقتل أحدا- إذا ظهر عليه يقتل، وإن لم يقتل فللإمام أن يرى فيه رأيه، بالقتل أو الصلب، أو القطع، أو النفي، قال مالك: والمستتر في ذلك والمعلن بحرابته سواء، وإن استخفى بذلك وظهر في الناس إذا أراد الأموال وأخاف فقطع السبيل أو قتل فذلك إلى الإمام يجتهد أي هذه الخصال شاء] (أحكام القرآن لابن العربي: 2/ 94) .
بل قد ذهب بعض علماء المالكية إلى أن مقصد الإمام مالك من اجتهاد الإمام في حق الجاسوس وتشبيهه بالمحارب إنما هو في اختيار كيفية القتل لا في الانتقال إلى بقية العقوبات كالنفي والقطع، وعلى هذا فهو موافقٌ-من حيث وجوب القتل- لما ذهب إليه ابن القاسم، كما قال العلامة أبو اليد ابن رشد - وقد نقلته قريبًا: [وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول مالك: أرى فيه اجتهاد الإمام] (البيان والتحصيل: 2/ 537) .
وقال الإمام المرداوي الحنبلي -رحمه الله-: [وجوز ابن عقيل قتل مسلم جاسوس للكفار، وزاد ابن الجوزي: إن خيف دوامه.] (الإنصاف: 15/ 464)
والإمام مالك -رحمه الله- وإن كان قد صرح بأنه لم يسمع فيه شيئًا، بمعنى أنه ليس لديه دليل بخصوص المسألة إلا أن بعض العلماء الذين ذهبوا إلى ما ذهب إليه استدلوا لقولهم بحادثة حاطب رضي الله تعالى عنه، ووجه ذلك: أن عمر رضي الله عنه قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم قتل حاطب، ولم ينكر عليه هذا الطلب ولا قال له إن جنايته لا تستحق هذه العقوبة وإنما ذكر المانع من ذلك وهو شهوده بدرًا،