وهذا المانع منتفٍ فيمن سواه، فإذا قام السبب (التجسس) وانتفى المانع (شهود بدر) جاز إنزال العقوبة (القتل) بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم، وتقرير هذا الدليل قد ذكره غير واحد من العلماء.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: [و يدل على جواز قتل الزنديق المنافق من غير استتابة ما خرجاه في الصحيحين عن علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه و سلم:"إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"؛ فدل على أن ضرب عنق المنافق من غير استتابة مشروعٌ إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر استحلال ضرب عنق المنافق، ولكن أجاب بأن هذا ليس بمنافق ولكنه من أهل بدر المغفور لهم، فإذا أظهر النفاق الذي لا ريب أنه نفاق فهو مباح الدم] (الصارم المسلول:1/ 358) .
واستدلال شيخ الإسلام -رحمه الله- بالقصة زائد على مجرد إباحة القتل، حيث استنبط منه أن طلب عمر رضي الله عنه من النبي صلى الله قتل حاطب من غير استتابة وإقراره عليه الصلاة والسلام لذلك يدل على جواز قتل المنافق الزنديق من غير أن يستتاب، وبيان ذلك أن عمر رضي الله عنه قد علق المبادرة إلى إقامة عقوبة القتل على وصف ظاهر وهو (النفاق) وفي رواية (الكفر) ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه المبادرة ولا تعليقها على عين الوصف، وإنما بين له أن الوصف الذي يعلق به هذا الحكم غير قائمٍ في هذا الموطن على وجه الخصوص، ومعلوم أن الحكم يدور مع علته حيث دار وجودا وعدمًا والله تعالى أعلم.
وقال الإمام ابن القيم -وقد اختار ما ذهب إليه الإمام مالك- في الفوائد المستنبطة من غزوة الفتح: [وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما؛ لأن عمر رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل قتله إنه مسلم، بل قال:"وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم"فأجاب بأن فيه مانعا من قتله وهو شهوده بدرًا وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مثل هذا المانع، وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد ... والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإمام فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم] (زاد المعاد: 3/ 371) .