فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 145

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فلن نكون مبالغين إذا قلنا إن الخط الأول للحملة الصليبية العاتية التي تشنها أمريكا وحلفاؤها على المسلمين وبلدانهم هم شبكة الجواسيس بجميع أصنافها وشتى أنواعها وأوصافها، وأنهم الركيزة الأولى التي تعتمد عليها في أعمالها العسكرية الكبيرة والصغيرة، فهم أعينها الحقيقيون الذين تطلع بهم على خفايا مطوية وخبايا مزوية ما كان لها أن تصلها وتخلص إليها لولاهم، وهم يدها الطولى التي لم تزل تمتد إلى أعماق البيوت، وأدغال الغابات، وشواهق الجبال، ومنعرجات الوديان، وظلمات الكهوف، لتقدم لها هدفًا عجزت تقنياتها الحديثة -رغم تطورها وانتشارها- عن بلوغه أو التعامل معه بمجردها، فهم الكتائب المكتَّبة، والجنود المجنَّدة، الحاضرون الغائبون الذين بثتهم ليتخللوا صفوف المسلمين عمومًا والمجاهدين خصوصًا ويتوغلوا بينهم نكايةً ومحاربةً فانبثوا في الأرض انبثاث الجراد المنتشر.

ومع اشتغالهم ليلًا ونهارًا، وقيامهم بمهامهم وأعمالهم بانتظام إخفاءً وإسرارا، وتلقيهم التوجيهات بل والأوامر كما يتلقاها الجندي من قائده، إلا أنهم لا يكاد يشعر بهم أحد، فتُرى آثارهم من تقتيل، وتدمير، وأسر، ومطاردات، ولا تُرى أعيانهم، كحال الشيطان الذي يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، فكم من القادة الأبطال الذين خطفتهم أيدي العدى بسببهم، وكم من البيوت الخفية التي دكت على ساكنيهم بطائرات لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم السر ولا الجهر اعتمادًا على معلوماتهم وإرشاداتهم، وكم من المجاهدين الأخفياء الذين كانوا يعدون أركانًا في الجهاد من غير أن يستشعر بذلك مستشعر فوجئوا باعتقالهم أو ملاحقتهم، وكم من طرق الإمداد العسكري والمالي التي اتخذها المجاهدون كعصب حياةٍ لاستمرار جهادهم وهي أبعد ما تكون عن مراكز العدو ومراقبته ومتابعته إذا بالكمائن تنصب لهم وقد رصد الجواسيس وقت انطلاقهم وبَلَّغوا عن ساعة تحركهم وعددهم وعدَّتهم.

كما أن خطورتهم لا تكمن فقط في قدرة هذه «الكتائب» الخفية على التغلغل والولوج إلى الأعماق، بل تعدى الأمر ذلك لينضاف إليها تنوع أجناس وأصناف وأوصاف هذه الجنود الخفية الضارية الضاربة فإذا بها تضم في طياتها الشيخ العجوز الهرم الذي احدودب ظهره ولا يكاد يقدر على خطو خطوتين، والشابَ الفتي القوي الذي يذرع الأرض طولًا وعرضًا، والمرأةَ الضعيفة القاعدة في قعر بيتها، والفتاةَ التي لازال ماء الشباب يجري في عروقها، بل وربما المراهق الذي لم يبلغ الحلم ولم يشمله التكليف أصلًا، ومن كل هؤلاء قد يكون ذلك الجاسوس دكتورًا، أو ممرضًا، أو مهندسًا، أو موظفًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت