فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 145

أو مدرسًا، أو طالبًا، أو مؤذنًا، أو خطيبًا، أو إمام مسجد، أو سمسارًا، أو متسوِّلًا، أوسائق أجرة، أو صاحب متجر، وبالجملة فليس هناك حدٌّ أو ضابطٌ يتوقف عنده تجنيد الشخص في ممارسة التجسس واستخدامه لأغراضه؛ فالمعتبر في ذلك فقط هو قدرته على تحصيل المعلومة وإيصالها إلى الجهة التي اختار العمل معها، وهذا ما يُبين أن اعتماد الأعداء عليها أكبر وأعظم من اعتمادهم على جيوشهم العسكرية العلنية، فمن المعلوم أن اختيار الشخص ليكون جنديًا ضمن جيش من الجيوش وفي أي جناج من أجنحتها يعتمد على مواصفات ثابتة ودقيقة تؤهله للقبول ليصبح بعد ذلك فرادًا من أفرادها سواء كانت تلك المواصفات عقلية، أو جسدية، أو صحية، أو فكرية، أما «جندي» التجسس فيكفيه للتأهيل قدرتُه على الوصول إلى المعلومة المطلوبة منه ثم نقلها إلى الجهة المعنيّة، ولا يهم بعد ذلك أن يكون سليمًا أم معاقًا، رجلًا أم امرأة، بالغًا أم غير بالغ، توافقت العقيدة معه أم تخالفت، بل كلما كانت حاله وأوصافه أبعد عن الإثارة والتشكيك ولفت الانتباه كان أنسب لممارسة المهمة وأقرب إلى تحصيل المقصود.

ومع خطورة هذا الأمر على الإسلام والمسلمين، وكونه أعظم سلاح فتاك استخدمه العدو -ولا زال- في معركته العصرية العالمية، ورغم تداخل مسائله الشرعية لا سيما عند النزول إلى الواقع العملي التفصيلي، والتعامل مع قضاياه تعاملًا مباشرًا، إلا أن هذه المسألة لم تأخذ حقها من البحث من الناحية الفقهية، ولم تجد العناية الكافية من العلماء وطلبة العلم ليدخلوا إلى تفاصيلها وينزلوا عند جزئياتها، كما تناولوا الكثير من المسائل التي ارتبطت بالحملة الصليبية الجديدة، فنظرًا لأهمية الموضوع، وللحاجة الملحة لبيان بعض تفاريعه ومسائله، وجدت نفسي مضطرًا للكتابة فيه بما يفتح الله ويَمُنُّ، ومن يأت الأمور على اضطرار ... فليس كمثل آتيها اختيارا، وأنا -مع ذلك- معترفٌ بقصوري وقلة بضاعتي، وأرجو أن يكون عذري أن داعي الطلب لا ينقطع نداؤه، ومع دوام الصياح والإلحاح فلا مجيب، والأمر لا يحتمل الإهمال والإغفال، ولا يحل معضلتَه الاختفاءُ والانزواء، ولا يقطع دابره لم أرَ ولم أسمع، ولا يكف عاديته أن لا تمر بوادٍ قرب واديه، فالشر مستطير، والخطب خطير، والضرر قاصف، والسيل جارف، ونار الحرب تزداد استعارًا، والواقع يسأل ليلًا ونهارًا؛ فالإجابة حتمٌ ولا بد.

مع العلم أنني قد أرسلت لعددٍ من سادتنا العلماء الفضلاء بمجموعة من الأسئلة المهمة المتعلقة بالموضوع -وسأنقلها بنصها في آخر البحث- ومرت على ذلك الأيام وكرت الشهور ولم يأتِ من طرفهم جواب ولا كتاب، وللغائب عذره والعوائق جمة، ولو كفونا المؤنة لما تحملت أعباءه ولا عالجت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت