فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 145

وكذلك قال أصحابنا أنه لو قال لرجل:"لأقتلن ولدك أو لتكفرن"أنه لا يسعه إظهار الكفر.] (أحكام القرآن: 9/ 50) .

فالظن المقصود في قوله -رحمه الله-: (ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب ... إلخ) هو ما تأوله حاطب لنفسه في إرسال الرسالة، ويبين ذلك قوله عن عمر -رضي الله عنه-: (لأنه ظن أنه فعله عن غير تأويل) أي فلهذا أكفره وطلب ضرب عنقه، والله تعالى أعلم.

وكثيرٌ من المعاصرين يذهبون هذا المذهب، ويرجحون القول بأن ما فعله حاطب رضي الله عنه كان كفرًا، أو نفاقًا أكبر، لأنه من جنس مظاهرة الكفار على المسلمين، وإنما لم يحكم عليه بالكفر لتأويله، بل إن بعضهم لا يكاد يذكر القول الآخر إطلاقًا ولا يشير إليه أدنى إشارة، لتأكد هذا الحكم في نفسه وظهوره عنده.

هذا ويفهم من كلام بعض العلماء أن حاطبًا رضي الله عنه قد استباح محظورًا (أي محرمًا) -وهذا كفرٌ- إلا أن استباحته له كانت بتأويل ولهذا لم يحكم عليه بالكفر، وليس المقصود أنهم اشترطوا الاستحلال في فعل مكفِّرٍ، ولكنهم أخبروا أن حاطبًا استحل محرمًا، وهذا الاستحلال يعدُّ كفرًا إلا أنه -رضي الله عنه- قد استحله بتأويل، فالأمر المكفِّر في قول هؤلاء العلماء هو الاستحلال للمحرم لا نفس الجسّ الذي فعله حاطب رضي الله عنه.

قال الإمام ابن الجوزي -رحمه الله-: [وقد دل هذا الحديث على أن حكم المتأول في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمد لاستحلاله من غير تأويل] (كشف المشكل: 1/ 99) .

وقال الإمام البغوي -رحمه الله-: [وفي حديث حاطب دليل على أن حكم المتأول في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمد لاستحلاله من غير تأويل] (شرح السنة: 11/ 75) .

والذي يظهر -والله تعالى أعلم- هو ما ذهب إليه الأولون من كون ما فعله حاطب رضي الله تعالى عنه معصية من المعاصي وكبيرة من الكبائر التي لا ترتقي إلى درجة الكفر، إلا أن القصة نفسها تدل على أن جنس هذا الفعل - أي الدلالة على عورات المسلمين- هو من الأمور المكفِّرة وليست كسائر المعاصي، فلا تعارض بين ما قررناه أعلاه من أن مظاهرة الكفار على المسلمين -والتي منها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت