فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 145

أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء/62] ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة/107] ، فالواجب على المسلم أن يحذرهم ويحذر منهم ويقطّع بمحكم العلم نسيج شبهاتهم، وليستمسك بالحق المستبين، ليكون من عباد الله الراسخين المفلحين، ويرد كل متشابه إليه ويعطفه عليه ولا يعكس فينعكس ويرتكس نسأل الله العافية.

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: [يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس] (تفسير ابن كثير: 2/ 6)

وقال العلامة السعدي -رحمه الله-: [ (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد (فيتبعون ما تشابه منه) أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه (ابتغاء الفتنة) لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قَصْدُه اتباعه] (تفسير السعدي: 1/ 122)

فمن هذه الأمور المحكمات الواضحات التي أكد حكمها في كتاب الله مرارًا هي أن تولي الكفار ومظاهرتهم على المسلمين كفرٌ أكبر مخرجٌ من ملة الإسلام وملحِقٌ لصاحبه بملة من تولاهم وظاهرهم، وإن زعم خلاف ذلك، بل وإن ادعى أنه يبغضهم ويعاديهم، فكتاب الله يكذبه، ويفضحه، والآيات في هذه المسألة واضحة جلية، وقد نقلت أعلاه شيئًا منها، وأقوال العلماء وفتاواهم صريحة بينة في التأكيد على ذلك، وهذا هو الذي يقتضيه العقل وتوافقه الفِطَر تعزيزًا لحكم الشرع، إذ كيف يمكن لأحد أن يرى إنسانًا يصاحب آخر، ثم هو يعين عليه عدوه، ويرشده إلى منافذ مضرته، ويدعمه بماله ليوصله إلى مواطن غرته، ثم يزعم بعدها أنه مصاف له وموادد و"موال"، فمَن يصدقه مع كل هذا في دعواه؟! أو كما قال الإمام حمد بن عتيق -رحمه الله - في مثال آخر: [ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى؛ فقدّر نفسك مملوكا لإنسان هو سيدك، والسبب في حصول مصالحك ومنع مضارك، وسيدك له عدو من الناس، فهل يصح عندك، ويجوز في عقلك أن تتخذ عدو سيدك وليًا، ولم ينهك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت