عن ذلك؟! فكيف إذا نهاك أشد النهي، ورتب على موالاتك له أن يعذبك، وأن يسخط عليك، وأن يوصل إليك ما تكره، ويمنع عنك ما تحب؟ فكيف إذا كان هذا العدو لسيدك، عدوا لك أيضا، فإن واليته مع ذلك كله، إنك إذًا لمن الظالمين الجاهلين!!] (سبيل النجاة والفكاك) .
فالأمر كما قال الشاعر:
تودّ عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب
وقال بعضهم:
إذا والى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانقطع الكلام
ولهذا جاءت آيات تعجب المؤمنين من دعوى الإيمان من أولئك القوم الذين والوا أعداء الله تعالى محتجين بخشية الدائرة فاستبقوا الأمور و"احتاطوا"لأنفسهم فدخلوا في موالاة أعداء الله تعالى طلبًا للسلامة وحفاظًا على المصلحة كما زعموا، وما أكثر هذا الصنف اليوم ممن استفحل المرض في قلوبهم، وأعمت الأهواء بصائرهم، وأفسدت أوهام الحكمة والمصلحة أفكارهم، وما حقيقتهم إلا"نخشى أن تصيبنا دائرة"، وإلا فلو أنهم استضاؤوا بنور الوحي، واهتدوا بهدي الكتاب، وألزموا أنفسهم غرزه، لما بلغ بهم التحريف هذا المبلغ، ولقطع عنهم وساوسهم أدنى تدبر لآيات الله تعالى كقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ? وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 51 - 53]
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله - عن الآيتين الأخيرتين: [وقوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي: شك، وريب، ونفاق (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك قال الله تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ} قال السُّدِّي: يعني فتح مكة. وقال غيره: يعني القضاء والفصل (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) قال السُّدِّي: يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى (فَيُصْبِحُوا) يعني: الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين (عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) من الموالاة (نَادِمِينَ) أي: على