قال العلامة البغوي -رحمه الله-: [قال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى الله عن ولايتهم، فأنزل الله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ"بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة،"إِنِ اسْتَحَبُّوا"اختاروا"الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ"فيطلعهم على عورة المسلمين ويؤثر المقام معهم على الهجرة والجهاد،"فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"وكان في ذلك الوقت لا يقبل الإيمان إلا من مهاجر، فهذا معنى قوله:"فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"] (تفسير البغوي: 4/ 25) .
وبالجملة فإن كل الآيات القرآنية التي تنهى عن موالاة الكفار، وتحذر منها، وتذم أهلها، وتشنع عليهم يدخل فيها قطعًا مَن ينقل إليهم أخبار المسلمين، ويدلهم على عوراتهم، ويُعْلِمهم بأسرارهم، وهذه هي مهنة الجواسيس، فكل جاسوسٍ متصفٍ بما ذكرنا يعد متخذًا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومناصرًا لهم عليهم، فيلحقه كل وصفٍ أو تهديدٍ أو وعيدٍ جاء في حق من يوالي الكافرين. فهو داخل في قوله تعالى: {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} وفي قوله عز وجل: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وفي قوله سبحانه وتعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ? وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة/80، 81]
وفي قوله سبحانه: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} وغير ذلك من الآيات ذات الوعيد والتهديد والتشنيع على من يوالي الكفار، ومن المتولين لهم الذين يدخلون دخولًا محققًا في سائر هذه الآيات وغيرها مَن يتجسس لهم على المسلمين، فهؤلاء الجواسيس ليسوا من الله في شيء، وهم ممن تولوهم، وقد ضلوا سواء السبيل، وسخط الله عليهم، وإن ماتوا على حالتهم ولم يتوبوا ويؤوبوا ففي العذاب هم خالدون، نسأل الله العافية.