-فيما نرى- حياة الدول، وقوتها الحقيقية تكمن في هذه الأجهزة الخبيثة، التي تقوم على أهل المكر والدهاء والخديعة والانسلاخ من القيم، وهي التي تحكم قبضتها على الدولة وأمورها السيادية وكافة أسرارها، فالتركيز على هذه الأجهزة هو من إتيان البيوت من أبوابها، واختصار الطريق الى التمكين وانشغال بالرأس عن الأذناب.
هذا ولأن جيوش الاحتلال تعد غريبة عن بلاد الإسلام جنسًا ودينًا ولغةً فإنها اعتمدت اعتمادًا كاملًا في تجنيد العيون والجواسيس على المنتسبين للإسلام من سكان البلاد التي اغتصبوها وتغلبوا عليها، فذلك أدعى لحصولهم على أدق المعلومات وأهمها مع تقليل جانب الخطر الذي قد يحدق بالجاسوس لأنه يقيم بين المسلمين كواحد منهم يعيش حياتهم، ويتزيّى بزيهم، ويظهر بمظهرهم، ويأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون، ومن ثَم يخلص إلى ما لا تستطيع الجنود المجندة من قوات الاحتلال الخلوص إليه، ويعبِّد لها الطريق ويمهدها بحيث تؤدي مهمتها من قتلٍ، أو اعتقالٍ أو قطع طريقٍ، أو تدمير ملاجئ، أو نسف مخازن، وهي آمنة مطمئنة قد أخذت حذرها وحزمت أمرها ووضعت خطتها بدقة وعناية اعتمادًا على (المعلومات الاستخباراتية) التي جمعتها من أفواه الجواسيس وتقاريرهم ووسائلهم.
وكل من عاش في ساحات الجهاد -لا سيما التي دهمتها قوات الصليب- يعلم علم اليقين أن قواتهم المحتلة -على كثرتها- لا يمكنها أن تقوم بمعشار ما تقوم به الآن لولا ما بثته من العيون والجواسيس الذين تغدق عليهم أموالها بغير حساب، وذلك لما يقدمونه إليها من خدمات عظيمة لا تبلغها جيوشهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، بل إن الاستقراء والاستقصاء والإحصاء والتتبع كلها تدل دلالة قطعية على أن أكثر قادة المجاهدين وجنودهم إنما قتلوا أو أُسِروا بناء على معلومات (استخباراتية) تحصلت عليها القوات الكافرة من الجنود الأخفياء الذين بثتهم كالجراد المنتشر ممن هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ويتظاهرون بالانتساب إلى ديننا.
كما أننا نعلم يقينًا أن الاقتصار على خوض المعارك مع القوات العسكرية العلنية وحصر المواجهات في الاقتحامات والغارات والكمائن والتفخيخ ونحوها -مع التغاضي عن مواجهة هذه (الجيوش الخفية) - كل ذلك غير كافٍ وحده في جبهات قد اتخذت وسائل متعددة وصورًا متنوعة وجيوشًا مختلفة عسكرية، واستخباراتية (تجسسية) ، وإعلامية، واقتصادية، وفكرية وغيرها، فهي معركة لا ساحل لها بحيث تعد من أشرس ما خاضه المسلمون ضد القوات التي دهمت أرضهم.