فكان لزامًا على المجاهدين -في كل الساحات- أن يستأصلوا هذا الورم السرطاني الاستخباراتي الذي يمد الجيوش الكافرة بالمعلومات مدًا، وأن يشنوا عليهم حربًا ضروسًا لا تقل شراسة عما يخوضونه ضد القوات العسكرية العلنية، وأن يتتبعوا هؤلاء الجواسيس تتبعًا يكافئ جريمتهم التي يقترفونها في حق الإسلام والمسلمين، وأن يغلظوا عليهم أيما غلظة اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي قال الله له في موضعين من كتابه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] .
بيد أن أصعب ما يواجه المجاهدين في خوض هذه (الحرب الشرسة) هو كيفية إثبات جريمة التجسس في حق الواحد منهم إثباتًا شرعيًا ينبني عليه الحكم من قتلٍ أو غيره، وأسباب هذه الصعوبات تكمن في عدة أمور:
الأول: شدة تخفي هؤلاء الجواسيس، وتقلبهم وتنقلهم في أنواع الصفات والأحوال التي يتلبسون بها، وكما ذكرت في مقدمة هذا البحث فإن المقصود الأول من مهمتهم هو كيفية تحصيل المعلومة ومن ثَم نقلها إلى أوليائهم الكفرة، وعليه فلا حاجة للعناية بثقافة، ولا شهادة، ولا تعليم، ولا مظهرٍ، ولا وظيفة، ولا لون، ولا جنس، ولا لياقة، ولا لباقة، بل لقد سمعت من بعض المجاهدين أنهم عثروا على أخبث الجواسيس وهم ممن ينتسبون إلى العلم والدين لينفع أولياءه بسبب حسن ظن المسلمين بهم، وقد جعلوا أنفسهم عيونًا مبصرة لقوات الصليب، فإلى الله المشتكى من عِظم ما دهى الإسلام!
الثاني: كثرة هؤلاء الجواسيس، وانتشارهم انتشارًا كبيرًا في كل ساحات الجهاد، فاكتظت بهم المدن، والقرى، والأرياف، والأسواق، فلا يكاد المجاهدون يتسللون إلى منطقة من المناطق في ظلام الليل الدامس إلا ودهمتم قوات الصليب وأعوانهم عند الغلس، فيُقتَل من يقتل منهم ويأسر من يأسر، ومن المؤكد أن ما يُنفق على (الجيوش الخفية) هو أكثر بكثير مما يُنفَق على القوات العسكرية، وذلك لأهميتها أولًا ولكثرتها ثانيًا.
الثالث: تسارع أحداث التقتيل والأسر والتدمير المبنية على معلومات الجواسيس، وتتابعها بصورة كبيرة لا يمكن معها النظر في كل حادثة بصورة جزئية متأنية وبحثها بحثًا قضائيًا خالصًا، ويكفينا أن نصفها بأنها (حربٌ مفتوحة) على جبهات واسعة وساحات شاسعة.
ثم إن المطلوب ليس فقط المعاقبة والمجازاة على حوادث وقعت وانتهت من قصف أو تدمير أو قتل أو أسر، بل إن المقصود الأول والأساس هو الحيلولة دون وقوع مثل هذه المصائب ابتداءً، وكف شر