فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 145

ولتحتم وقوع المتجسس على المسلمين في الغيبة فقد جاء النهي عنها عقبه لأنه وسيلة إليها قطعًا، قال العلامة طاهر بن عاشور -رحمه الله-:[والتجسّس من المعاملة الخفية عن المتجسس عليه، ووجه النهي عنه أنه ضرب من الكيد والتطلع على العورات، وقد يرى المتجسس من المتجسس عليه ما يسوؤه فتنشأ عنه العداوة والحقد، ويدخل صدره الحرج والتخوف بعد أن كانت ضمائره خالصة طيبة وذلك من نكد العيش.

وذلك ثلم للأخوة الإسلامية لأنه يبعث على إظهار التنكر ثم إن اطلع المتجسس عليه على تجسس الآخر ساءه فنشأ في نفسه كره له وانثلمت الأخوة ثلمة أخرى كما وصفنا في حال المتجسِّس، ثم يبعث ذلك على انتقام كليهما من أخيه.] (التحرير والتنوير: 14/ 27) .

وكما نهى القرآن عن التجسس فكذلك جاء النهي على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا] متفق عليه.

وعن أبي برزة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته] أخرجه أحمد، وأبو داود، والبيهقي، وأبو يعلى.

ولعظم حرمة المسلم عند الله، فقد جوزت الشريعة فقأ عين من اطلع على بيت أحدهم من فتحة أو نافذة بغير إذنه ولا ضمان عليه في ذلك، كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه]

وعن أنس رضي الله عنه: [أن رجلا اطلع من بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص أو بمشاقص فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه] رواه البخاري، ومسلم.

وهذه الآية والأحاديث عامة في جميع أنواع التجسس على المسلمين، ويدخل فيها دخولًا أوليًا أولئك الذي يكدون ليلًا ونهارًا، وينفقون ساعات أعمارهم وهم يحاولون تحصيل معلومة صغيرة أو كبيرة ليوصلوها إلى أعداء الله تعالى من اليهود أوالنصارى أوالمرتدين أو غيرهم من الكفرة ويقروا أعينهم بها ليُلقوا لهم مقابلها شيئًا من فتات الدنيا الحقير يستمتعون به حينًا ولا يعنيهم بعد ذلك ما يذوق المسلمون من الويل الوبيل، والتنكيل والتقتيل جراء معلوماتهم وتجسسهم، فعن المستورد بن شداد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت