-في أي ساحة من الساحات- أن النكاية التي تحدث فيهم بسبب هؤلاء الجواسيس لا تعدلها نكاية سواء في الأنفس، أو الأموال، أو المعدات؛ وعليه فنحن مأمورن شرعًا بمواجهة هذه (الجنود الأخفياء) وقتالها تمامًا كما تُقاتَل (الجنود الصرحاء) لأن كف الأضرار الناتجة عنهم وقطع دابر الشرور العظيمة المتولدة بسببهم -والشرع يحتم علينا ذلك- لا يمكن أن يكون إلا بالتصدي لهم واستئصال شأفتهم وبذل أقصى الجهود للتعرف عليهم وتتبع (جيوشهم) .
ومن خلال الواقع الذي نعايشه ونلامسه ونراه، فإن هذا التصدي الذي أوجبه علينا الشرع لنواجه (جنود الجواسيس الخفية) لا يمكن أن يحصل بالاقتصار على الشاهدين أو الإقرار، فهذا يعني يقينًا عدم التعرض لهؤلاء الجواسيس إذ إن ذلك لا يمكن -على سبيل التنزل-إلا في حالات أندر من النادر، ومن المقطوع به أن أحكام الشرع لا تتعارض في نفسها، ولا تقصُر عن الإحاطة بكل جزئيات الوقائع وعلاجها مهما كانت، عَلِم ذلك من علمه وجهله من جهله.
فلن يأمرنا الشرع -إذًا- بقطع دابر (جيوش الجواسيس) حتى نؤدي ما أوجبه علينا من تخليص بلاد المسلمين ثم نجد أنفسنا عاجزين عن القيام بهذا الأمر من خلال الاقتصار على بينة الشاهدين أو الإقرار-والتي لا يمكن إيجادها- في التعرف عليهم وكشف جريمتهم ودفع صولتهم.
وما دام الأمر كذلك، فإما أن يكون تصورنا للحكم الشرعي في أصله تصورًا خاطئًا فيكون القصور في فهمنا لا في أصل الحكم، وإما أن يكون الواقع الذي نريد أن نسقط عليه ذلك الحكم مخالفًا لما وصِّف به، فيكون محل الحكم موضعًا آخر غير هذا الذي توهمناه له.
وبما أن الواقع هو ما حكيناه من انتشار جيوش التجسس، واعتماد الكفرة عليهم اعتمادًا كاملًا، واستفحال ما يحصل بسببهم من النكاية في المسلمين والتوهين للإسلام، وهي حقيقة لا أحسب أن أحدًا يجهلها أو يماري فيها إلا على سبيل المكابرة -وليس حديثنا مع مثله- فلم يبق إلا أن الحكم الشرعي الخاص بهذه النازلة والمتعلق بها تعلقًا مباشرًا هو خلاف ما ظنناه، وليس هذا اعتراضًا على الشرع بالواقع فنعوذ بالله من ذلك، ولا تطويعًا لأحكامه وتمحلًا في حملها على غير محلها ومحملها فنبرأ إلى الله من الضلال وأهله، وإنما حكاية حقيقة لا يمكن تجاهلها ولا التهرب منها ولا غض الطرف عن النظر فيها وإعطائها الحكم الشرعي المناسب لها وفقًا لطرق البحث والترجيح المنضبطة التي قعدها العلماء ونسأل الله الهداية والتوفيق والسداد ونعوذ به من الهوى والغي والضلال.