فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 145

والفائدة الثانية: متعلقة بنفس الشخص المستقصي للشواهد والمتتبع للأمارات حيث يكون قد بذل جهده، واستفرغ وسعه، واتقى الله ما استطاع، وفي حقه يقال أيضًا: إن الميسور لا يسقط بالمعسور، فما أمكنه تحصيله وإيجاده من قرائن الأحوال وملابساتها مما يمكن أن يزيد من درجة التيقن في إثبات الجريمة على المتهم لا يسقطه العجز عن وجود الشاهدين، أو الاعتماد على إقرار المتهم.

أما في حالة رمي الترس، فإن الانتفاع باستثناء القصد القلبي عند الرمي ترجع فائدته -فقط- إلى الرامي، وإلا فإن فعله يؤدي قطعًا إلى سفك دم مسلم بريء لا يملك من أمره شيئًا، والله تعالى أعلم.

هذا وقد بين الشرع جواز الاعتماد على الشواهد والقرائن وتعاضد الدلائل في بعض المواطن التي يتعذر فيها إقامة البينات، بحيث يؤدي ترقبها والتكليف بإقامتها إلى تضييع الحقوق وإهدارها، وإنما قلت ما قلتُ بناء على أن البينة -وإن جرى الاصطلاح على معنى معين لها- إلا أنها في الحقيقة أوسع من ذلك لتشمل كل طريقة يمكن بها إثبات الحق كما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره، ومَن خصها بالشاهدين، أو الأربعة، أوالشاهد، لم يوف مسماها حقه، ولم تأت البينة قط في القرآن مرادًا بها الشاهدان، وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان مفردة ومجموعة ... والشاهدان من البينة، ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها لدلالة الحال على صدق المدعي؛ فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة متقاربة في المعنى] (الطرق الحكمية:1/ 16) . فالاعتضاد بالقرائن والملابسات في تقوية الحكم، بل الاستناد إليها أحيانًا في إثباته لا شك أنه من الشرع، لأنه من البينات المعتبرة كما دل على ذلك الكتاب والسنة والاعتبار، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلالات الأحوال، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهدًا لها بالاعتبار، مرتبًا عليها الأحكام] (الطرق الحكمية: 1/ 16) .

وهذا في حال تمكن الإسلام ووجود سلطته وظهور دولته، وإنما المقصود هنا هو أن الشرع قد جوز (القتل) في بعض الحالات التي تعذر فيها إقامة البينة استنادًا إلى قرائن الحال واعتبارًا لشواهده والتي قد تكون في بعض الحالات أقوى حجة وأظهر دليلًا وأقطع صدقًا من البينة نفسها بل حتى من الإقرار الذي يسمى (سيد الأدلة) ، مع التنبيه الضروري على أن ما نحن بصدده في هذه المسألة ليس هو من الدعاوى الخاصة التي تتعلق بأعيان الناس ومظالمهم الجزئية، وإنما هو من مصالح الأمة العامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت