فجوهر المسألة يكمن في إيصال الخبر الذي يضر بالمسلمين إلى أعدائهم لا في كيفية تحمله وطريقة تحصيله، فرب شخص يلتقط بعض الكلمات ويسمع شيئًا من المعلومات في مجلس عابرٍ فتدفعه نفسه الأمارة بالسوء إلى نقل تلك الأخبار المهمة لأعداء الإسلام فيحصل بها من النكاية والإذاية أضعاف ما ينزل من وراء تجسس المتعمدين المتقصدين، وقصة حاطب رضي الله عنه - وستأتي مفصلة- تدل على ذلك حيث لم يتعمد حاطب البحث عما أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجتهد في التنقيب عن سره، وإنما استعمل ما علمه واجتهد في إيصال ما بلغه، سواء كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أسر له بعزمه على قصد مكة -كما ذكرت بعض الروايات- أو كان قد علمه من جهة أخرى، إلا أن الغالب من حال الجواسيس هو اجتهادهم في معرفة الأخبار وتنقيبهم عنها وسعيهم في الاطلاع عليها، فعزمهم على بلوغها لإيصالها إلى أوليائهم سابقٌ وليس بلاحق، وأما صورة المعرفة العرضية فهي قليلة والله تعالى أعلم.
فالجاسوس الذي نحاول البحث في حكمه هنا لا بد أن يكون مشتملًا على عدة أمور:
الأول: وجود الشخص أو الأشخاص الذين يمارسون هذا العمل الذي هو التجسس، وهو المحل الذي تقوم به هذه الصفة.
الثاني: قصد الفعل الذي يحصل به الاطلاع على الأخبار، بأن يتعمد ذلك ويتقصده ويسعى لبلوغ أسرارها وكشف أستارها، ولا عبرة بالطريقة التي يسلكها لذلك الغرض ولا بالوسيلة التي يستخدمها سواء كان بالتخفي والتنكر، أو المراقبة والتتبع، أو باستعمال معدات متطورة كالكاميرات وأجهزة التنصت ونحوها.
وهذا كما ذكرت أعلاه هو أغلبيٌّ، وإلا فمَن يقع على المعلومةِ (السرّ) وقوعًا اتفاقيًا ثم ينقلها للعدوّ، قد يأخذ الحكم نفسه.
الثالث: أن يكون هذا التجسس والبحث عن عورات المسلمين وأخبارهم لا عن غيرهم، كالبحث عن مواطن ضعفهم التي يمكن من خلالها إيقاع الضرر بهم، أو أماكن وجود قادتهم وأمرائهم، أو التعرف على الطرق التي يسلكونها لتسليحهم وإمداداتهم، وغير ذلك، فالأخبار التي ينقلها الجاسوس هي الأخبار المتعلقة بالإسلام والمسلمين ودولتهم وأحوالهم.
الرابع: أن يسعى لإيصال تلك الأخبار التي جمعها وتحصل عليها إلى أعدائهم الكفرة سواء كانوا مرتدين أم كفارًا أصليين، وبغض النظر عن الطريقة التي يسلكها لإيصال ما تحصل عليه من المعلومات سواء حصل بالهاتف، أو المكاتبة، أو التصوير أو غيرها من الوسائل المتعددة.