هذا وقد استثنى عدد من العلماء بعض الحالات فجوَّزوا فيها التجسس على المسلم درءًا لمفاسد كبيرة متحققة لا يمكن دفعها إلا بهذا الطريق، فهو مندرج في عموم القاعدة الفقهية: [إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا] (الأشباه والنظائر: 1/ 161) .
قال الإمام الماوردي -رحمه الله-:[وأما ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسس عنها ولا أن يهتك الأستار حذرا من الاستتار بها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله تعالى عليه) .
فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارات دلت، وآثار ظهرت فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا بامرأة ليزني بها أو برجل ليقتله، فيجوز له في مثل هذه الحالة أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذارا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات، وهكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف، والبحث في ذلك والإنكار] (الأحكام السلطانية: 2/ 8) .
وكما هو جليٌّ فالأمر هنا منضبط بقواعد الشرع، وجارٍ على سننه، ومقيد بأصوله، وليس للأهواء فيه مدخل بحيث يفتح بعض من رق دينهم على أنفسهم أبواب التعلل ومنافذ التحيل فينتهكون حرمات مصونة، ويتصيدون عثرات مظنونة، ويتحينون فرص فضح العباد فيقتحمون عليهم قعر البيوت بغير حجة محققة ولا بينة جلية ولا شواهد قوية، ولا مفاسد قطعية تحت دعاوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالأصل الأصيل هو حرمة دم المسلم وعرضه وماله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته الجامعة خطبة الوداع: [إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت] رواه البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي بكرة رضي الله عنه.
فمن ضن بدينه وخشي ربه استمسك بهذا الأصل وعض عليه بالنواجذ، فعظم شأن المسلم وصان حرمته في دمه وماله وعرضه سواء بسواء، فما أكثر المسلمين الذين تجدهم يعظمون دم المسلم - وهو حقيق بذلك بلا شك - ويتورعون أشد الورع عنه حتى يشمل ورعهم أحيانا المواطن التي يستحق فيها القتل بحكم الشرع، ومع ذلك فلا تجد في قلوبهم أدنى وازع ولا رادع ولا مانع ولا دافع من تقطيع أوصال أعراض المسلمين بألسنتهم، بالغيبة والنميمة والطعن واللعن والإفك والافتراء، وما دروا أن الذي حرم ذاك قد حرم هذا وأن الجميع في ميزان الله ثقيل، فكما يصون المسلم سيفه عن التلطخ