الأول: أن ما فعله حاطب رضي الله عنه يعد تجسسًا، ودلالة للكفار على عورات المسلمين، كما هو ظاهر من مجموع تبويبات هؤلاء الأئمة وغيرهم، وسيظهر لنا من خلال نقل نص كتاب حاطب كما روي أنه لا يعد شيئًا بجانب التقارير المطولة والمفصلة والمستمرة والتي كثيرًا ما تشفع بالصور والوثائق التي يقوم عليها جواسيس العصر ويسهرون الليالي ويكدون الأيام لأجل جمع تفاصيل معلوماتها لتكون على أعلى درجات الاعتماد والوثوق عند أسيادهم و"أوليائهم".
الثاني: أن هذا التجسس وهذه الدلالة هي موالاة لأعداء الله وأعداء المسلمين بنص كتاب الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة/1] ، فإذا كان فعل حاطب رضي الله عنه عده الشرع موالاة بمجرد كتابته لرسالة هي أقرب إلى تشتيت العزائم وتثبيط الهمم وقذف الرعب منها إلى نقل الأخبار مع أن حاطبًا رضي الله عنه كان مجاهدًا بنفسه وماله محبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم واثقًا من علو أهل الإيمان واندحار أهل الكفر والطغيان، فكيف بمن ينتسب إلى مؤسسة مجرمة قائمة على حرب الله ورسوله والمؤمنين، وينتمي إلى دائرة هي من أعظم دوائر التنكيل والتقتيل، وليس عنده غرض إلا البحث عن مكامن ضعف المسلمين، والتنقيب عن عوراتهم، والاجتهاد و"المخاطرة"للوصول إلى أعماقهم لاقتناص أهم أخبارهم، ثم يقدم كل تلك"الحصيلة"التي خاطر لأجل بلوغها إلى أعداء الله تعالى الكفرة، وهم الذين طالبوه أصالة بجمعها، هذا مع امتلاء قلبه بسوء الظن بالله، وتعمد الكيد لأوليائه ودينه، والتيقن من ظفر وفلج الكافرين ومحق المؤمنين {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فأين أين موالاة حاطب رضي الله عنه من موالاة هؤلاء المجرمين.
مع استحضار ما نبهت عليها آنفًا من أن أعمال جواسيس العصر لا تقتصر على كتابة التقارير ونقل الأخبار وكشف الأسرار بل تتعداها إلى المشاركة الفعلية والممارسة العملية للتقتيل والأسر والترويع والمداهمات وغير ذلك فليكن هذا منك على بال.
قال العلامة حمد بن عتيق -رحمه الله-: [ففي هذه السورة مع سبب نزولها، من الأدلة على وجوب عداوة الكفار ومقاطعتهم أدلة كثيرة:
فنهى تعالى أهل الإيمان عن اتخاذ عدوه وعدوهم وليا، وهذا تهييج على عداوتهم، فإن عداوة المعادي لربك باعثة وداعية إلى عداوتك له ... ثم قال: (تلقون إليهم بالمودة) وهذا كاف في إبطال شبهة المشبهين، فإنه إذا أنكر عليهم موالاة المشركين وموادتهم قالوا: لم يصدر منا ذلك، وهم مع ذلك يعينون أهل الباطل بأموالهم، ويذبون عنهم بألسنتهم، ويكاتبونهم بعورات المسلمين.