نعم فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وابن السَّبِيلِ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعَثُهُمْ الله على نِيَّاتِهِمْ] رواه مسلم وغيره، وقال الإمام النووي رحمه الله [أما المستبصر فهو المستبين لذلك القاصد له عمدًا، وأما المجبور فهو المكره يقال أجبرته فهو مجبر هذه اللغة المشهورة، ويقال أيضا جبرته فهو مجبور حكاها الفراء وغيره، وجاء هذا الحديث على هذه اللغة] (شرح النووي على صحيح مسلم: 18/ 7) .
وعند مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها بلفظ [فكيف بمن كان كارها] .
أما الجاسوس فلا يُتصور فيه الإكراه المعتبر شرعًا، ولا يقبل منه إن ادعى ذلك؛ لأنه حينما يؤدي مهنته ويمارس مهمته يكون طليقًا لا مُكرِه له ولا مُجبِر ولا مُلجِئ.
وفي قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران/28] قال الإمام البغوي -رحمه الله-: [ومعنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما، أو مالا حراما، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين] (تفسير البغوي: 2/ 26) .
بل يمكنه أن يقوم بخلاف ما"عاهد"عليه أولياءه الكفرة وينفع المسلمين نفعًا عظيمًا ويضر أعداءهم ضررًا بليغًا، ومن هنا نعلم أن ضرره على الإسلام والمسلمين أفدح وأن مهنته التي يقوم بها أقبح، ودائرة إعذاره أضيق فكان حريًا بتغليظ عقوبته لا بتخفيفها لمشابهة حاله لحال المنافقين الذين استحقوا أشد الجزاء الأخروي وأفظعه فكانوا في الدرك الأسفل من النار.