قالوا وليس الجاسوس المسلم واحدًا من هؤلاء وعليه فيبقى على أصل الحرمة، إذ هو مسلمٌ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وفي هذا يقول الإمام الشافعي -رحمه الله- حينما سأل: [أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالاة المشركين؟ قال الشافعي: لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل، أو يزنى بعد إحصان، أو يكفر كفرًا بينًا بعد إيمان ثم يثبت على الكفر، وليس الدلالة على عورة مسلم، ولا تأييد كافر بأن يُحذَّر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها، أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بيِّن] (الأم: 4/ 264) . ثم ذكر قصة حاطب رضي الله عنه.
وقد أجاب أبو يوسف عن سؤال هارون الرشيد فيما يتعلق بالحكم في الجواسيس فقال: [وسألت يا أمير المؤمنين عن الجواسيس يوجدون وهم من أهل الذمة أو أهل الحرب أو من المسلمين، فإن كانوا من أهل الحرب أو من أهل الذمة ممن يؤدي الجزية من اليهود والنصارى والمجوس فاضرب أعناقهم، وإن كانوا من أهل الاسلام معروفين فأوجعهم عقوبة وأطل حبسهم حتى يحدثوا توبة] (المجموع شرح المهذب: 19/ 342) .
وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني، ويعقبه شرحه للعلامة السرخسي الحنفي -رحمها الله-: [وإذا وجد المسلمون رجلًا ممن يدعي الإسلام معينًا للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم فأقر بذلك طوعًا فإنه لا يقتل، ولكن الإمام يوجعه عقوبة؛ وقد أشار في موضعين في كلامه إلى أن مثله لا يكون مسلمًا حقيقة؛ فإنه قال ممن يدعي الإسلام، وقال: يوجع عقوبة، ولم يقل: يعزر، وقد بينا أنه في حق المسلمين يستعمل لفظ التعزير في هذا الموضع، وإنما يستعمل هذا اللفظ في حق غير المسلمين، إلا أنه قال: لا يقتل، لأنه لم يترك ما به بإسلامه فلا نخرجه من الإسلام في الظاهر ما لم يترك ما به دخل في الإسلام، ولأنه إنما حمله على ما صنع الطمع، لا خبث الاعتقاد، ... واستدل عليه بحديث حاطب بن أبي بلتعة فإنه كتب إلى قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغزوكم فخذوا حذركم ... الحديث إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مهلا يا عمر فلعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فلو كان بهذا كافرًا مستوجبًا للقتل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدريًا كان أو غير بدري، وكذلك لو لزمه القتل بهذا حدًا ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إقامته عليه، وفيه نزل قوله تعالى:"يا أيها"