إلا أننا والحق يقال كنا نتألم وننظر بقلق بالغ لإطلاقات بعض مشايخ الجهاد وقادته في تصريحاتهم وبياناتهم وأشرطتهم التي صدرت إثر تلك الغزوات، والتي تابعهم عليها وقلدهم فيها بعد ذلك من نهج نهجهم في بلدان أخرى من تعيير طلبة العلم والدعاة وتنقّصهم بلزومهم لبرامجهم الدعوية ..
وعندي أن هذا من ضعف الفقه والسطحية في التعامل مع الجهاد واختزاله في القتال النكائي المجرد، وعدم التعامل معه كمشروع متكامل يعمل على إعادة تمكين الأمة، ولو كانوا يتعاطون الجهاد على هذه الصورة الناضجة لراعوا ظروف المسلمين كلٌ بحسب بلده، وما وصل إليه الدعاة من مراحل، وربما غلّبوا التركيز على بعض البلاد دون بعضها، أو رجّحوا بعض الجبهات دون أخرى، أو بعض الأعمال والاختيارت دون بعضها، تبعًا لما هو أحظى وأنفع للإسلام والمسلمين، ولما دعوا الدعاة إلى ترك دعوتهم ونقض غزلهم، ولاعتبروا جهود الدعاة والعلماء جزءا لا يتجزأ من المشروع الجهادي الناضج والمتكامل ..
ولو كان الدعاة على وعي بذلك لما تضرروا أو تأثروا سلبًا بتلكم البيانات، أو غيرها من الظروف والتقلبات التي كثيرًا ما تتقلب أو تنقطع معها اختيارات وبرامج كثير من السطحيين الحماسيين ..
أما أولو النهى وبعيدو النظر فلا يضرهم من خالفهم .. (فالحرُّ حرٌّ وإن مسّه الضر) ..
وعندما أثنيت في وقفة سابقة على أبطال غزوات نيويورك وواشنطن فإنما ركّزت على هذا الجانب المهم الذي تميّز به أولئك الأبطال أسأل الله تعالى أن يجعل مثواهم الفردوس الأعلى؛ فقد واصلوا عملهم الذي استغرق منهم سنوات عديدة ما بين التخطيط والتدريب والإرصاد والإعداد ولم يتضرّروا بحال بتقلب الأحداث وتجددها من حولهم رغم سخونة كثير منها، فما انحرفوا عن نهجهم وغايتهم، ولا عطلوا برنامجهم أو نقضوا غزلهم ..
كما فعل الكثيرون بعد أن بهتهم منظر البرجين بعد ذلك وهما ينهاران ..
وهو منظر كان بالنسبة لكثير من المضطهدين والدعاة والمجاهدين رائعًا ومروّعًا في الوقت نفسه، وآثاره على كثير من الدعاة والمجاهدين بعد ذلك كانت أيضا بعضها رائع وبعضها مروّع، أما الآثار الرائعة فلا تعنينا في هذه الوقفة.
-أما المروّعة، فمنها ما رأيناه من تضرر كثير من الدعاة وانكشاف أحوالهم كما قيل:
ستعلم إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار
فإن كثيرًا ممن كان الشباب يحسن بهم الظن ممن كانوا يمسكون العصا من الوسط، ولا يكاد كثير من الناس يصنّفهم تصنيفًا واضحًا أو يعرف كنه حقيقتهم؛ تكشفوا وتكشفت أوراقهم ..