فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 115

فكما أن الطواغيت انحازوا جهارًا نهارًا إِلى معسكر سيدهم بوش لما صاح بهم بعد تلك الغزوات: (إما معنا أو ضدنا .. ) ..

فكذلك أولئك المخلدون إلى الأرض انحازوا إلى معسكر السلطان أو إلى معسكر الصد والتخذيل، وبرئوا من المجاهدين وانتكسوا على أعقابهم، وهو نوع من التضرر وخيم، نسأل الله العافية والسلامة ..

-ونوع آخر من التضرر برز بعد تلك الأحداث وتضرر به بعض الدعاة بل رؤوسهم ومشايخهم ممن كان يلتف حولهم الشباب فيعلمونهم ويدرسون ويربّون ويعدون، وكانوا على خير عظيم يقدمونه للأمة ويعاينون ذلك ويذوقونه ويعرفونه؛ لم يتحملوا منظر البرجين المنهارين فانهارت معهما مشاريعهم الدعوية كلها .. وصار مثلهم كمثل القائل:

وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غاية ما فوقها بي مطلبُ

فلما تلاقينا وعاينت حسنها تيقنت أني إنما كنت ألعبُ

فانطلقوا لا يعرفون ماذا يعملون، ولا يدرون من هول الصدمة ما الذي يريدون؛ فتارة يستنفرون أتباعهم للحاق بأفغانستان بدعوى نصرة المجاهدين هناك تحت قذائف الطائرات وصواريخ البارجات مع أنه ليس ثم مواجهة هناك ولا قتال وإنما هي حرب الجبناء عن بعد ومن خلف الأزرار، فنصرة أولئك الدعاة للمجاهدين في بلادهم التي تعج بالأعداء أنجع آنذاك وأوجع لأعداء الله لو كانوا جادين .. وتارة تراهم يفكرون باللحاق بالعراق لمجرد أن شاهدوا عملية في الفلوجة أو أخرى في بغداد، وإذا أغلقت السبل في وجوههم انفلتوا إلى الجزائر، وإذا سمعوا بتفجير أو عملية في أوزبكستان وجهوا بوصلتهم إليها ونصبوا أشرعتهم عليها .. في تقلب عجيب وغريب بلبلوا فيه إخوانهم، وشتتوا فيه أمرهم وأفكارهم وقوضوا مشاريعهم الدعوية، ونقضوا غزلهم من بعد قوة أنكاثًا .. واختزلوا الجهاد في أعمال نكائية مبعثرة هنا وهناك، برّروها بدعوى دفع الصائل مع أنه قد جال خلال الديار وصال على الأمة في كل الأقطار، ولا مزية للقطر الذي اختاروه أو وجهوا شبابهم إليه وفصموا اختياراتهم عن الدعوة وجهود الدعاة ..

حتى اشتكى لي كثير من الشباب عبث رؤوسهم بهم، وتذبذبهم وتشتت توجهاتهم وتشتيت الشباب معهم، وراجعني بعضهم متأثمين لخلعهم وعزلهم وتغييرهم بعد أن جن جنونهم من تقلبهم وتذبذبهم العاطفي الآني غير المدروس، وجرجرة طائفة من الشباب معهم تارة إلى هنا وتارة إلى هناك، واعتقال البعض منهم في سوريا وآخرين في الأردن وبعضهم في العراق ..

ولا أشك أن هذا من التضرّر بالأحداث وعدم تبني مشروع خاص أو اتباع برنامج واضح محدد المعالم أو كما يسمونها استراتيجية بيّنة في العمل الإسلامي، وإنما هو التقلب العاطفي المحض وردود الأفعال الحماسية الآنية .. ومثل هذه الطريقة في التعاطي مع الدعوة والجهاد مهلكة للجهود والأعمار ومحبطة للمشاريع والأعمال، ومضيعة للأتباع والشباب، وأهلها لا يؤتمنوا على الشباب ولا على أعمارهم وأرواحهم، ولا ينبغي بحال أن يصدروا أو يمكنوا من زمام الأمور ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت