لظروف الأمة وإمكاناتها وحجم الحرب المستعرة عليها؛ فيجب عليهم أن يتخيّروا لدينهم وجهادهم الأنفع من الاختيارات والأحظى للأمة والأصلح لجهادها والأنكى لأعدائها والأقطع لدابرهم وكيدهم وكفرهم، ولا تكون اختياراتهم مبنية على ردود الأفعال التي يجرهم إليها أعداؤهم توريطا لهم في أعمال مرجوحة غير مدروسة ولا مجدية، تشتت دائرة الصراع أو تشنع على الدعاة والمجاهدين وتنفّر عن سبيلهم وتؤلب الناس عليهم فيظهرون بمظهر أعداء الناس المستضعفين لا منقذيهم، ويصير أعداؤهم من الطواغيت هم المنقذين للناس الحماة لهم من إرهاب الدعاة والمجاهدين، وبذلك يعينون عدوهم على مكائده وتختلط الأوراق ويلبس الحق بالباطل .. ومن لم ينظر في هذه الاعتبارات في اختياراته ولا رفع بها رأسًا أو راعاها؛ لم يفقه قوله صلى الله عليه وسلم في مرحلة من مراحل سير الطائفة المنصورة: (دعهم لا يتحدث الناس محمد يقتل أصحابه) وقوله: (إذًا ترعد له آنف كثيرة) وقوله (لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام) ..
ونحو ذلك من الضوابط والإشارات والمعالم المهمة على الطريق ..
-وعلى كل حال فقد تقرر أن ردود الأفعال ليست أفعالًا محسوبة موزونة مدروسة، بل هي انفعالات غالبًا ما يجرّ إليها العدو، فحقيقتها أنها أفعال يحدثها العدو في المنفعل الذي فقد توازنه وتشوشت عليه بوصلته، فصاحبها الحقيقي هو العدو، ومن صدرت عنه منفعل لا فاعل ..
* ومما يعين على التحصّن من مكائد الأعداء وينجّي من التضرر بها أن يتذكر الداعية والمجاهد دومًا وفي اعتى الظروف وأشد القروح ويستحضر الصفقة والبيعة التي عقدها مع مولاه (( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن .. ) )..
فلا ينقض هذه البيعة ولا يستقيل منها ولا يقبل فيها خيارًا أو يبتغي عنها حولًا أو يرضى بها بدلًا، ومما يعينه على ذلك أن يتذكر كرم المشتري وشرف الثمن الذي يقبضه عوضًا عن نفسه وماله، وعظم الثواب الذي ينتظره على هذه البيعة، ومن ثم عظم الخسارة إن فرّط بها، فلا يخون أمانته التي تحمّلها، أو ينقض بيعته التي بايع عليها .. ويتذكر دومًا قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) )فيكون ممن قال تعالى عنهم (( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) ).
* ويعينه على حمل الأمانة والثبات على البيعة والوفاء بما عاهد الله عليه وعدم التضرر بالمخذلين؛ الدوام على ما وصف الله تعالى به أهل هذه البيعة: (( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ) )فإن هذا مما يقوي اعتصامه بالله ويربط على قلبه ويثبته ويقويه ..
* ويعينه على ذلك أيضًا تذكر ما عند الله من الثواب العظيم لأوليائه والعذاب المقيم لأعدائه، واستحضار ترغيبه سبحانه للمؤمنين ووعيده للخائنين ..
فإن ترغيب الله وترهيبه ووعده ووعيده لا يدانيه ترغيب وترهيب أو وعد ووعيد، ولا يجعل فتنة الناس كعذاب الله إلا القوم الخاسرون ..
فعذاب أعداء الله وسجونهم وأذاهم وإهانتهم وترهيبهم لا يساوي غمسة واحدة في جهنم (( ومن يهن الله فما له من مكرم ) ).. كما أن ترغيبهم وعطاءهم ووعودهم لا تساوي غمسة واحدة في أدنى درجات الجنة ..