فإن أخس أو أدنى أهل الجنة منزلة كما في الصحيح رجل يعطى ما تمنى ومعه عشرة أضعاف الدنيا أو عشرة أمثالها، حتى إنه ليقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت!
هذا أدناهم منزلة، فكيف بأعلاهم؟
فأين ترغيب أعداء الله ووعودهم لأذنابهم وأوليائهم ولمن يخون الله أو يبيع دينه؟ أيداني مهما بلغ شيئا من هذا؟
وفي الصحيح أيضًا أن أهون أهل النار وأدناهم عذابًا من توضع في أخمص قدميه جمرتان وفي رواية: ينتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا .. فكيف بأشدهم؟ فهل في عذاب أعداء الله وأذاهم مهما بلغ شيءٌ مثل هذا؟
وفي الحديث الصحيح: (لو أن رجلًا يُجَرُّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرمًا لحقّره عند لقاء الله) .
أي أنه يستهين بعذاب العمر كله وشقائه ويستحقره أمام ما يرى من عذاب الله للكفار يوم القيامة أو أمام ما يراه من عظيم أجر الله وثوابه لمن صبر على ذلك واحتسبه ..
إن استحضار هذا وذاك وتذكره دومًا يثبّت الداعية والمجاهد على بيعته وعهده الذي عاهد الله عليه، ويزهّده بوعود أعداء الله وترغيبهم ويعينه على أذاهم ووعيدهم في أحلك الظروف وأقساها، فلا يتضرر بهذا أو ذاك ..
وفي الحديث: (يؤتى بأشقى أهل الأرض يوم القيامة فيغمس في الجنة غمسة واحدة ثم يقال له: هل رأيت شقاءً قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأنعم أهل الأرض فيغمس في النار غمسة واحدة، ثم يقال له: هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب) .
ولذلك كنت أقول لأعداء الله أثناء تحقيقاتهم وخلال ترغيبهم وترهيبهم لما كانوا يعرضون عليّ أحيانًا التعاون والعمل معهم: أن تتعاونوا أنتم معي أسهل وأقرب من أن أتعاون أو أعمل أنا معكم؛ فأنا أعتبركم أعداء وكفارًا، وأكفركم وأكفر من يظاهركم على المسلمين، فهل يعقل أن أعمل في وظيفة أكفر أهلها؟ وهل يعقل أن أتعاون مع أعدائي، ثم لو أني عملت معكم فإنكم لن تقدروا على أن تعطوني كالأجر الذي وعدني الله به إن وافيته ثابتًا محتسبًا، أما لو عملتم أنتم معي وصرتم أنصارًا لدين الله فإن أجركم إن أخلصتم جنة عرضها السموات والأرض، فما قيمة رواتبكم وعطايا الدولة لكم أمام جنة عرضها السموات والأرض، وأنتم إذا عملتم معي خنتم الدولة - على حد تعبيركم - وهذا هين ولا يعد شيئًا أمام خيانة الله ودينه، وأذى الدولة لكم على خيانتكم لا شيء أمام عذاب الله لي لو خنت دينه وعملت معكم، كما أن خسارتكم لرواتب الدولة ورتبها لا شيء أمام خسارة جنة عرضها السموات والأرض، فذلك هو الخسران المبين .. ولذلك فأن تعملوا أنتم معي أسهل وأقرب من أن أعمل أنا معكم ..