فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 115

* أما التضرر بكثرة المخالفين والمخذلين والطاعنين في الدعاة والمجاهدين، أو كثرة المنحازين إلى عدوة الطاغوت والمصفّقين له والمطبّلين؛ فالأصل في الداعية والمجاهد أن يسلك طريق الطائفة المنصورة ويستقيم على سبيل الهدى ولا يحزن لقلة السالكين، ويتجنب سبل الضلالة ويعرض عن أهل التخذيل ولا يتضرر بكثرة الهالكين ..

فهذه سنة الله في هذا الدين فلم يزل أنصاره هم القلة الغرباء دومًا، وفي الصحيح: يأتي النبي يوم القيامة ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد، ومن استذكر من سبقه من الشهداء والصادقين من المجاهدين والعلماء والدعاة العاملين وغيرهم من أنصار هذا الدين، واستحضر قوافلهم الضاربة في أعماق التاريخ لم يشعر بالغربة ولم يتضرر لقلة الأنصار وكثرة المخالفين والمخذلين ..

ولا تنتظر بالسير رفقة قاعدٍ ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا

وإما تخافنّ الكلال فقل لها: أمامك وِردُ الوصل فابغِ المناهلا

وخذ قبسًا من نورهم ثم سر به فنورهم يهديك ليس المشاعلا

وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا

* أخيرًا .. فالنجاة من هذه الفتن مع هذا كله لا تنال إلا بلزوم ما تركنا عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم وعدم التفريط بشيء منه أو الانحراف يمنة أو يسرة عن الطريق التي خطّها ورسمها لنا صلى الله عليه وسلم ..

وفي الأثر عن سعد بن أبي وقاص لما دُعي إلى الخروج في الفتنة قال: إن مثلي ومثلكم كمثل قوم كانوا في فلاة بيّنة طريقهم، فثارت ريح عجاجة فالتبست عليهم الطريق، فقال قوم: الطريق ذات اليمين، فسلكوا فيها فتاهوا وضلوا، وقال قوم: الطريق ذات الشمال، فسلكوا فيها فتاهوا وضلوا. وقال آخرون: كنا على الجادة حين ثارت الريح؛ فلنثبت على ما كنا عليه حتى تذهب العجاجة، فنيخ فأناخوا، فأصبحوا وقد ذهبت الريح وتبينت الطريق .. فهؤلاء هم الذين يثبتون على ما تركهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبدلون أو يغيرون، فلا تضرهم الفتن ما دامت السموات والأرض، ولا يتضررون بالمخذلين ولا بالمخالفين ..

قال تعالى: (( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) ).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا؛ كتاب الله) .

فالثبات الثبات يا أصحاب الطائفة القائمة بدين الله، الثبات على ما ترككم عليه حبيبكم صلى الله عليه وسلم لا تفرطوا بشيء منه ولا تتضرروا بمن خالفكم أو خذلكم، ولا تتلكئوا عن نصرة دينه لشيء من عذابات الطريق أو كيد الأعداء وأذى القريب منهم أو البعيد، وحذار أن تستوعروا الطريق أو تبطئوا في المسير أو تتخلفوا عن الركب.

فتلك حروب من يغب عن غمارها ليسلم يقرع بعدها سنّ نادم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت