فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 71

أمريكي» يمتد عبر العالم، لكنها هذه المرة تتحدث عن «تطوير» لا عن مجرد أمن. وليس هذا بسبب الانبعاثات الكربونية وكوارث التغير المناخي الذي يدمر أسباب الحياة في أنحاء الكرة الأرضية، بل لأن الطاقة، بكميات إنتاجها وخطوط إمدادها الدولية مع أوروبا على وجه الخصوص، صارت من جهة (1) أداة صراع على النفوذ، وتحطيم ما يسمى بقواعد القانون الدولي كما تفعل روسيا في أوكرانيا، ومن جهة (2) بالغة التكلفة، بالمقارنة مع المديونية المرتفعة التي تهدد بانهيار النظام الاقتصادي العالمي وكذلك الدولي.

رابعا: القيم

كل ما ورد في هذا المحور هو تفصيل لما تضمنته استراتيجية 2010. لكن التفصيل هنا لا يعني التكرار بقدر ما يعني الإصرار على منطق عولمة، لا يمكن أن يمر إلا بتحطيم قيم الآخرين وحضاراتهم وثقافاتهم ومعتقداتهم، بحيث يبدو الإنسان في الشرق مجرد نسخة عنه في الغرب. وحتى ينجح هذا الأمر: «على الولايات المتحدة أن تطبق قيمها في الداخل الأمريكي, وأن تشجع على تطبيق قيم عالمية» . وفي موضع آخر تقول الإستراتيجية: «إن قيمنا هي مصدر قوة وأمن لنا, وإن قدرتنا على دعم هذه القيم في الخارج مرتبطة برغبتنا وإرادتنا الالتزام بها في داخل بلدنا» . وفي موضع ثالث لا يبدو أن الولايات المتحدة يمكن أن تأمن على نفسها، ما لم تطمئن إلى أن يتساوى جميع من في الأرض: «إن القيم الأمريكية هي انعكاس للقيم العالمية التي تعد أمريكا رائدة لها في هذا العالم» ، والحديث هنا يتعلق مبدئيا بالحرية والعدالة والمساواة، ويشمل ذلك بحسب الإستراتيجية «حرية التعبير والعبادة والتجمع السلمي والقدرة على اختيار القيادة بشكل ديمقراطي, والحق في اختيار الطريقة المناسبة وإدارة العدالة بشكل متساو» . أما الفقرة التي أرادت الإستراتيجية تمريرها فهي التي وضعت تحت بند «الدفع بالمساواة إلى الأمام» ، ونصها: «سنكون روادًا للمجتمعات التي تتعرض باستمرار إلى العنف والإساءة والإهمال مثل الأقليات القومية والدينية والمعوقين والمثليين والسحاقيين والعمال المهاجرين» .

يسهب محور القيم في الحديث عن حقوق الإنسان ومقاومة الاستبداد ودعم الحريات والالتزام بالقانون. ويشن حملة على الأنظمة الاستبدادية التي تعارض الديمقراطية. بل ويتطرق إلى الثورات العربية بالقول: «لقد جرت الانتفاضات الشعبية التي بدأت في العالم العربي في منطقة ذات تقاليد ديمقراطية ضعيفة، وعصبية استبدادية قوية، وتوترات طائفية، وعناصر متطرفة وعنيفة, ولهذا ليس مستغربًا أن الانتكاسات فاقت الانجازات. ومع ذلك, فإن التغيير لا مفر منه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن اتجاه ذلك التغيير ليس مقدرًا سلفًا ... ولنا مصلحة قوية في أن نقود ردًا دوليًا على الإبادة الجماعية للشعوب والفظائع الجماعية التي ترتكب بحقهم عندما تحدث, وإننا ندرك أن الخيارات أكثر كلفة، لكنها أقل كلفة عندما نتصرف بشكل مسبق، قبل أن تصل الحالات إلى حالات الأزمة» .

ولو أخضعنا هذه الفقرة لاختبارات ميدانية في شتى أنحاء العالم لما احتجنا إلى دليل [1] . بل أن أعجب ما يمكن تصوره في هذا السياق أن الإستراتيجية أتت على ذكر روسيا وعدوانيتها في أوكرانيا لكنها لم تأت على ذكر مصر

(1) ففي مقالة له بصحيفة الـ «غارديان - 14/ 5/2014» البريطانية، استشهد الكاتب البريطاني جون بيلغر، في مقالته بصحيفة الـ «غارديان - 14/ 5/2014» بـ «موجز سجل السياسة الخارجية الأميركية» الذي ينشره كل عام المؤرخ الأميركي وليام بلوم، والذي يبرز محاولات الولايات المتحدة منذ عام 1945 للإطاحة بأكثر من خمسين حكومة، انتُخب كثير منها ديمقراطيا. مشيرا إلى أنها تدخلت بشكل فج في انتخابات ثلاثين دولة وقصفت السكان المدنيين في ثلاثين دولة أيضا، واستخدمت الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وحاولت اغتيال زعماء أجانب. وأن بريطانيا كانت معاونة لأميركا في كثير من الحالات. وختم بأن =

= وزارة الدفاع الأميركية تدير حاليا عمليات خاصة، حروبا سرية، في 124 دولة، بينما داخليا الفقر يزداد وضياع الحريات صار النتيجية الطبيعية التاريخية لدولة الحروب الأبدية ومخاطر حدوث حرب نووية. موقع «الجزيرة نت» ، على الشبكة: http://cutt.us/MqQ 3 I

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت