فهرس الكتاب
٣٠٣. والحارثُ بنُ مسكينٍ⁽١⁾. مِن أكابرِ أصحابِ ابنِ وهبٍ، وابنِ القاسمِ، وأشهبَ، وَهُو عَلَى طريقةِ ابنِ وهبٍ، لَم يَكُن يُغَالِي فِي الرَّأْيِ، وَكَانَ وَلِيَ القَضاءَ بِمِصْرَ، وَكَانَ مِن العُلماءِ، وَكَانَتْ فِيهِ صَرامةٌ في دِينِه، شَدِيدًا عَلَى السُّلطانِ.
٣٠٤. فَرَوَيْنَا أَنَّ المأمونَ دَعاهُ لأَمْرٍ، أَرادَ فِيهِ فَتْواهُ، فَقَالَ لَه: مَا قَوْلُكَ فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ لَه الحارثُ: أَقُولُ لَكَ فِيهَا كَمَا قَالَ فِيهَا مالكٌ لأَبِيكَ؛ فَقَالَ لَه المَأْمُونُ: لَقَدْ تَيَّسْتَ⁽٢⁾ فِيهَا كَمَا تَيَّسَ فِيهَا مَالِكٌ مِن قَبْلِكَ؛ فَقَالَ لَه الحارثُ: فَتَتَيَّسْنَا فِيهَا أَتَيْسُ وَأَتَيْسُ، فَخَرَجَ، فَغَضِبَ المأمونُ، وَاسْتَشَاطَ عليهِ حَنَقًا، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الحِلْمُ وَالعَفْوُ، فَأَرْسَلَ إِليهِ يَسْتَدْعِيهِ، فَأَخَذَ الحارثُ كَفَنَهُ فِي كُمِّهِ، وَذَهَبَ مَعَ رَسولِه، فَلَمَّا دَخَلَ عليهِ؛ رَفَقَ بِهِ، وَأَقْبَلَ عليهِ، فَقَالَ لَه: يَا هَذَا، إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَمَرَ مَن كَانَ خَيْرًا مِنْكَ بِالآنَةِ القولِ لِمَنْ كَانَ شَرًّا مِنِّي، يَعْنِي مُوسَى وَفِرْعَوْنَ، فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾⁽٣⁾، وَإِنَّكَ لَم تَأْخُذْ بِأَدبِ اللهِ، وَلَا أَدَبِ المُلُوكِ، فَاعْتَرَفَ لَه الحارثُ، وقالَ: فَلْيَعْفُ أميرُ المؤمنينَ؛ قَالَ: قَد عَفَوْتُ عَنْكَ⁽٤⁾.
٣٠٥. وَالحارثُ بنُ مِسكينٍ هُو الذِي صَنَّفَ اتِّفَاقَ رَأْيِ ابنِ القاسمِ، وابنِ وَهبٍ، وَأَشْهَبَ⁽٥⁾.
--------------------
(١) سبق برقم: ٤٤.
(٢) في حاشية الأصل ما نصه: «تَيَّسَ فلان فرسه: راضه وذلَّله. القاموس» . قلت: انظر القاموس المحيط (ص ٥٣٥) .
(٣) الآية ٤٣ من سورة طه.
(٤) ذكره بسياق آخر مع بيان المسألة المسؤول عنها: الذهبي في تاريخ الإسلام (١٨ / ٢١٣) .
(٥) ذكره عياض في ترتيب المدارك (٤ / ٢٦) .