فهرس الكتاب

الصفحة 1449 من 5329

ومما يتبادر لنا من سياق الآيات وفحواها أن الآية غير منقطعة عن السياق السابق واللاحق أولا. وأن وفاة أبي طالب التي تذكر الروايات أن الآية نزلت في ظرفها، إنما كانت في أواخر العهد المكي في حين أن هذه السورة نزلت في أواخر النصف الأول من هذا العهد على ما يمكن تخمينه من ترتيبها. وهذا يجعلنا نرجح أن الآية جاءت معقبة على الآيات السابقة جميعها، وبقصد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والتهوين عليه بسبب حزنه وحسرته من مواقف العرب العنيدة وجحودهم وتعجيزاتهم على شدة رغبته في هدايتهم وبخاصة بعد أن أنذرهم وأقام الحجة عليهم. وأبو هريرة الذي يروي الشيخان عنه الحديث قد أسلم في أواخر العهد المكي، وحديث الذي يذكر فيه أن الآية نزلت في مناسبة الموقف الذي حكاه ليس خبرا عن رسول الله أخبره به كما هو ظاهر من صيغته، ونرجح أن اجتهادي منه، والله أعلم.

ومع ذلك فليس من المستبعد أن يكون تمسك أبي طالب بدينه منذ البدء بالرغم من رغبة النبي في إسلامه وإلحاحه عليه في ذلك. وهذا أمر لا بد من أنه كان واقعا لا يتحمل شكا مما كان يؤلم نفسه فنزلت الآية على سبيل التسلية، كما أنه ليس من المستبعد أن يكون هناك زعماء أو أشخاص آخرون كانوا محبين للنبي صلى الله عليه وسلم أولم يظهروا له جفاء شديدا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتهم ويحزنه عدم استجابتهم إليه في العهد المكي ومنهم ذوو قرباه الأدنون مثل عمه العباس وأبنائه وابن عمه عقيل وغيرهم وغيرهم الذين كانوا نصراء له عصبيّة. وقد يكون في الآية التالية لهذه الآية قرينة ما على شيء من ذلك على ما سوف نشرحه بعد.

ومهما يكن من أمر فليس من شأن ذلك أن يجعل الصلة بين الآية وسياقها السابق واللاحق منقطعة كما هو المتبادر.

هذا، وتعبير وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يزيل ما يمكن أن يرد من توهم من جملة إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ويفسره. وقد انطوى في هذه الجملة معنى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فالله تعالى هو أعلم بالذين يرغبون في الهدى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت