فهرس الكتاب

الصفحة 4467 من 5329

وأن يعتقدوا أن ذلك الوعد القرآني قد مضى وانقضى وأن ما كتبه الله عليهم من ذلة ومسكنة وغضب وعذاب هو حقّ ومانع لكل إمكان لخلافه. وأن ما قد تيسّر لهم من نجاح في فلسطين في الوقت الحاضر هو عابر لامتحان المسلمين وحسب وأن الله محقق وعده وتقريره فيهم.

ولقد نبّه المفسرون إلى ماضي ما حكته الآيات من فرض الله تعالى التيه أربعين سنة على بني إسرائيل من عبرة اجتماعية. وهي كون الجيل الذي عاش حياة المسكنة والاستعباد في مصر قد فقد قوة الإقدام على النضال فقضت حكمة الله أن يبقى في الصحراء حتى يموت وينشأ جيل جديد ويكون قد عاش تلك الحياة. وهو تنبيه وجيه يصحّ أن يساق في معرض ما احتواه القرآن من عبر وحكم اجتماعية.

وفيه من جهة وفي الفصل القرآني الذي نحن في صدده بعامة من جهة أخرى تلقين مستمر المدى للمسلمين بتجنب الموقف الذي وقفه بنو إسرائيل وحكاه القرآن حكاية متطابقة لما في أسفارهم من أمر الله ورسوله.

ولقد روى المفسرون ورواة الأحاديث موقفا يدلّ على ما كان لذلك التلقين من أثر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث رووا أن المقداد بن الأسود وبعض أصحاب رسول الله حينما استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم في مناجزة قريش في يوم بدر أو في يوم الحديبية على اختلاف الروايات «لا نقول لك كما قال قوم موسى اذهب أنت وربك فقاتلا ولكنّا نقاتل عن يمينك وشمالك وبين يديك وخلفك وفي رواية بل نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون» فأشرق وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكان لهذا الموقف أثر كبير في ما تمّ للمسلمين تحت رايته من فتح ونصر في ذلك اليوم «1» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 32]

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) .

(1) انظر التاج ج 4 ص 90 و 366 وتفسير الآيات في الطبري وابن كثير وغيرهما وقد روى البخاري الحديث الذي فيه قول المقداد في سياق غزوة بدر. والذي نرجحه أن يكون ذلك في سياق غزوة الحديبية. وأن يكون التباس في الرواية لأن آيات المائدة لم تكن نزلت والله أعلم قبل وقعة بدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت