قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18] لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: 80] مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ. أي: من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده:
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ جملة حالية. و (من) الأولى زائدة عند الأخفش. وصفة عند سيبويه. أي: شيئا من الصالحات فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
أي: لا ينقص من حسناتهم قدر نقير. وهو النقرة التي على ظهر النواة. وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم. ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان. والراجع في وَلا يُظْلَمُونَ لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا. وجاز أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دليلا على ذكره عند الآخر. وقوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وقوله وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ بعد ذكر تمني أهل الكتاب كقوله سبحانه بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: 81] وقوله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ عقيب قوله وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً.
تنبيه:
ما قدمناه من أن الخطاب في قوله تعالى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ للمشركين وأن قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أي: من أهل الكتاب والمشركين- هو الذي يدل عليه سياق الآية ونظمها الكريم كما بينا. ورواه الطبريّ «1» عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن. قال الأولان رضي الله عنهما: (السوء) هاهنا هو الشرك. وقال الحسن: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا هو الكافر. ثم قرأ وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.
ولما كان لعموم هذا الخطاب روعة، وأيّ روعة، أشفق كثير من الصحابة لأجله. قال ابن كثير: وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من
(1) عن ابن عباس، الأثر رقم 10518، وعن سعيد بن جبير، الأثر رقم 10519، وعن الحسن، الأثر رقم 10511.