فهرس الكتاب

الصفحة 1202 من 3416

الإشارة: رُوي أن إخوة يوسف لما رجعوا عنه صاروا لا ينزلون منزلًا إلا أقبل عليهم أهل ذلك المنزل بالكرامات والضيافات، فقال شمعون: لما قدمنا إلى مصر ما التفت إلينا أحد، فلما رجعنا صار الناس كلهم يكرموننا؟ فقال يهوذا: الآن أثر الملك عليكم، ونور حضرته قد لاح عليكم. هـ. قلت: وكذلك مَن قصد حضرة العارفين لا يرجع إلا محفوفًا بالأنوار، معمورًا بالأسرار، مقصودًا بالكرامة والإبرار.

قوله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا ... إلخ قال الأستاذ القشيري: المحبة غيورٌ لما كان ليعقوب تَسَلٍّ عن يوسف برؤية بنيامين، أبت المحبة إلا أن تظهر سُلطانها بالكمال، فغارت على بنيامين أن ينظر إليه يعقوب بعين يوسف. هـ. قلت: وكذلك الحق تعالى غيور أن يرى في قلب حبيبه شيئًا غيره، فإذا رأى ذلك أزاله عنه، وفرق بينه وبين ذلك الشيء، حتى لا يُحب شيئًا سوى محبوبه. هذا مما يجده أهل الأذواق في قلوبهم.

وقوله تعالى في وصية يعقوب: لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ، فيه إشارة إلى أن الدخول على الله لا يكون من باب واحد بحيث يلتزم المريد حالة واحدة وطريقة واحدة كالعزلة فقط، أو الخلطة فقط، أو الصمت على الدوام، أو ذكر الاسم على الدوام. بل لا بد من التلوين قبل التمكين وبعده فالعزلة على الدوام: مقام الضعف، والخلطة من غير عزلة بطالة. بل لا يكون عارفًا حتى يعرف الله، ويكون قلبُه معه في العزلة والخلطة، والصمت والكلام، والقبض والبسط، والفقد والوجد، ويترقى من ذكر الاسم إلى الفكرة والنظرة، كما هو مقرر عند أهل الفن.

وقوله تعالى: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ، فيه تهييج على مقام التوكل، وحث على الثقة بالله في جميع الأمور. وفي ذلك يقول الشاعر:

تَوَكَّل على الرَّحمن في كُلِّ حَاجَةٍ ... وَثِق بالله، دَبَّر الخلق أجمعْ

وضَع عَنكَ هَمَّ الرِّزْقِ فالرَّبُّ ضَامِنٌ ... وكفّ عن الْكَونَينِ والخلق أَربع

قوله: «والخلق أربع» : أراد العالم العلوي والسفلي، والدنيا والآخرة. وكلها أكوان مخلوقة يجب كف البصر والبصيرة عن الميل إليها، والوقوف معها. والله تعالى أعلم.

ثم ذكر رجوعهم إلى مصر، واتصال يوسف بأخيه، وإمساكه عنده إلى أن اتصل بأبيه، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت